نسمة طيف
اهلا وسهلا بك زائرنا الكريم
منتديات نسمة طيف ترحب بك أجمل ترحيب
ونتمنى لك وقتاً سعيداً مليئاً بالحب كما يحبه الله ويرضاه
فأهلاً بك في هذا المنتدى المبارك إن شاء الله
ونرجوا أن تفيد وتستفيد منا
وشكراً لتعطيرك المنتدى بباقتك الرائعة من مشاركات مستقبلية
لك منا أجمل المنى وأزكى التحيات والمحبة

نسمة طيف

منتدى عربي يشمل جميع المواضيع اهلا بيكم في منتدى نسمة طيف
 
الرئيسيةاليوميةدخولس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيل
المواضيع الأخيرة
» "قصة مؤثرة جدا"
الثلاثاء يناير 10, 2017 7:02 pm من طرف ملاك الطيف

» (( أذكى لص في العالم ))
الثلاثاء يناير 10, 2017 6:58 pm من طرف ملاك الطيف

» ارض بما قسمه الله لك.،..
الثلاثاء يناير 10, 2017 5:19 pm من طرف ملاك الطيف

» حلم كل فتات
الثلاثاء يناير 10, 2017 5:13 pm من طرف ملاك الطيف

» قصة طالب جامعي يتيم
الثلاثاء يناير 10, 2017 5:12 pm من طرف ملاك الطيف

» سجل حضورك بالصلاة على النبي عليه السلام
الأربعاء يناير 04, 2017 3:41 pm من طرف ملاك الطيف

» قصة وعبرة لمن يعتبر
الجمعة أكتوبر 28, 2016 11:00 am من طرف ملاك الطيف

» الخليفة عمر ابن الخطاب
الجمعة أكتوبر 28, 2016 10:59 am من طرف ملاك الطيف

» الحمد لله على كل حال
الجمعة أكتوبر 28, 2016 10:58 am من طرف ملاك الطيف

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
ملاك الطيف
 
رغد
 
روايات انسان
 
زهرة الياسمين
 
دموع الورد
 
المحب
 
البرنسيسه
 
دموع انسان
 
محمد15
 
نسمة طيف
 

شاطر | 
 

 الخيميائي - كابيلو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:21 am

كانوا من سكان الصحراء، ويتوقون إلى سماع قصص عن المدن الكبرى، تحدّث الشاب عن حياته كراع، وكان أن يأتي على ذكر تجربته في مخزن الزجاجيّات عندما تخل الانكليزي وقطع عليه ذلك.
-
لقد بحثتُ عنك طوال فترة الصيف ـ قال الانكليزي وهو يصحب رفيقه إلى الخارج ـ يجب أن تساعدني على معرفة أين يسكن الخيميائي.
حاولا إيجاده بوسائلهما الخاصة، فلابد للخيميائي أن يعيش بنمط مختلف عن باقي سكان الواحة، ومن المُحتمل كثيراً وجود فرن مشتعل على الدوام في خيمته، وبعد طول مسير، انتهيا إلى إدراك شيء واضح وهو أن الواحة أكثر اتساعاً مما كانا يتصوّران، وأن فيها مئات ومئات من الخيام.
-
لقد أضعنا نهاراً كاملاً ـ قال الانكليزي، وهو يجلس مع رفيقه قرب أحد آبار الواحة.
-
ربما كان من الأفضل لو سألنا عنه ـ قال الشاب.

-
لم يكن الانكليزي يرغب في أن يفصح عن سبب وجوده في الفيّوم، وبدا متردداً، لكنه وافق في النهاية وطلب من الشاب الذي يفوقه في تكلّم العربية، أن يأخذ الأمر على عاتقه.
تقدّم الشاب عندئذٍ من امرأة وصلت لتوّها كي تملأ قربتها ماءً وسألها:
-
مساء الخير ياسيّدتي ! أودُّ لو أعرف أين يقيم خيميائي يعيش في هذه الواحة.
أجابت المرأة بأنها لم تسمع على الاطلاق أحداً أتى على ذكره. لكنها قبل أن ترحل نبّهت الشاب إلى عدم حقه في التوجه بالحديث إلى نساء يتّشحن بالسواد، لأنهن نساء متزوّجات، وهذا من التقاليد التي يجب احترامها، ثم انصرفت في الحال.
أحس الانكليزي بخيبة أمل حادة، هكذا يكون قد قام بكل هذه الرحلة من أجل لاشيء ! رفيقه أحس بالأسف أيضاً، فالانكليزي مثله كان يجري وراء اسطورته الشخصية، وعندما يكون المرء في هذا الصدد، فإن العالم بأسره يتضافر ليجعله يحصل على مبتغاه، هكذا كان قد قال الملك العجوز، ولايمكن له أن يُخطئ.
-
لم أكن قد سمعت قط أحداً يتكلّم عن خيميائيين أمامي ـ قال الشاب ـ وإلا لكنتُ حاولت مساعدتك.
بريق من الأمل شع من نظرة الانكليزي وهتف قائلاً:
-
لكن هذا مؤكد، فربما ليس هنا من يعرف ماهو الخيميائي ... استعلم عن الرجل الذي يعالج أمراض القرية كلها.
عدة نساء يرتدين السواد، جئن إلى البئر لإحضار الماء، لكن الشاب لم يتحدّث إليهن على الرغم من إلحاح الانكليزي، أخيراً اقترب رجل منهما، فسأله الشاب:
-
هل تعرف أحداً يعالج الأمراض في القرية؟
-
إن الله هو الذي يعالج الأمراض كلها، أجاب الرجل وقد بدا عليه الخوف من هذين الغريبين، انتما تبحثان عن سحرة، أنتما الإثنين ! ..
ومضي في طريقه بعد أن تلا عدة آيات من القرآن.
ظهر رجل آخر، كان أكبر عمراً من سابقه يحمل دلواً صغيراً، فطرح الشاب عليه السؤال نفسه.
-
إن كان هناك وجود لهذا الرجل، فهو لابد أنه على درجة كبيرة من القوة ـ أجاب الرجل العجوز بعد قليل من التفكير ثم تابع ـ حتى أن شيوخ العشائر لايستطيعون رؤيته على هواهم عند الحاجة. يجب أن يقرر هو ذلك، انتظرا بالأحرى نهاية الحرب، وارحلا مع القافلة، ولاتسعيا أبداً إلى التوغل في حياة الواحة، ختم قوله مبتعداً.
عندئذٍ بدت شابة ترتدي ثياباً مختلفة، فابتهج الانكليزي، لقد كان على الطريق الصحيح، كانت تحمل جرّة على كتفها، وتضع خماراً حول رأسها، لكنها كانت سافرة الوجه. اقترب الشاب ليسألها عن موضوع الخيميائي.
أحس الشاب كما لو أن الزمن كان يتوقف، وكما لو أن النفس الكليّة كانت تنبعث بكل قوّتها أمامه.
وعندما رأى عينيها السوداوين، وشفتيها المترددتين بين الصمت والابتسام فهم الجزء الرئيسي من اللغة التي يتحدّثها العالم، والتي باستطاعة كائنات الأرض كلها أن تفهمها عبر القلوب.

كان هذا هو مايدعى بالحب، شيء أقدم من وجود البشر، ووجود الصحراء، والذي كان ومايزال ينبثق دائماً وبقوة، وفي كل مكان عندما تلتقي نظرتان كما تلتقي الآن هاتان النظرتان قرب البئر. انفرجت الشفتان عندئذٍ عن ابتسامة، إنها علامة، علامة كان قد انتظرها دون أن يعلم خلال فترة طويلة من حياته، ولطالما قد بحث عنها في الكتب، وقرب نعاجه، وفي الزجاجيّات، وفي صمت الصحراء.
هاهي ذي لغة الكون الخالصة، مفهومة دون أدنى شرح، لأن الكون ليس بحاجة إلى أي تفسير كي يتابع دورانه في الفضاء اللامتناهي.
إن مافهمه في تلك اللحظة هو انه أمام امرأة حياته، وعليها أن تعلم ذلك دونما أية ضرورة للكلام، كان متأكداً من هذا أكثر من تأكده من أي شيء آخر في العالم، على الرغم من أن آبائه وآباء آبائه كانوا قد قالوا إن على الانسان أن يحب أولاً، ثم يخطب، أن يعرف الآخر، وأن يملك المال قبل أن يتزوج. من كان يقول ذلك، لم يكن يعرف مطلقاً اللغة الكونية، لأن المرء عندما يغوص في هذه اللغة يسهل عليه أن يدرك أن في هذا العالم يوجد شخص ينتظر شخصاً آخر، سواء أكان هذا في وسط الصحراء أو في قلب المدن الكبرى، وعندما يلتقي هؤلاء الشخصان، وتتقاطع نظرتاهما، فإن الماضي والمستقبل لا أهميّة، ولحظة الحاضر وحدها هي التي تبقى. وهذا اليقين العجيب بأن كل شيء يوجد تحت قبة السماء قد خطّته اليد نفسها، اليد التي أنجحت الحب، وخلقت لكل كائن روح شقيقة، وهذا الكائن يعمل، ويستريح، ويبحث عن الكنوز في وضح 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:21 am

النهار، ولو أن الأمر لم يكن كذلك، لما وجد أي معنى لأحلام الجنس البشري.
-
مكتوب ـ قال في نفسه.
نهض الانكليزي الذي كان جالساً، وحرّك صاحبه قائلاً:
-
هيا اذهب واسألها.
اقترب الشاب من الفتاة التي ابتسمت من جديد، فابتسم وسألها:
-
ماذا تدعين؟
-
فاطمة ـ أجابت وهي تغض من طرفها.
-
إنه اسم تحمله بعض النسوة في البلد الذي جئتُ منه.
-
إنه اسم ابنة النبي ـ قالت فاطمة ـ ومجاهدونا قد نقلوه إلى هناك.
كانت الشابة الحلوة تتحدث بفخر عن المجاهدين، والانكليزي يقف جانباً يلح، فسألها الشاب إن كانت تعرف شيئاً عن الرجل الذي يشفي الأمراض.
أجابت:
-
إنه رجل يعرف أسرار العالم، وهو يتكلّم مع جن الصحراء، والجن هم جن الخير وجن الشر.
وأشارت الشابة بإصبعها باتجاه الجنوب، حيث تسكن هذه الشخصية الغريبة، ثم ملأت جرّتها ورحلت، وانصرف الانكليزي أيضاً للبحث عن الخيميائي، وبقي الشاب جالساً بجانب البئر لوقتٍ طويل، وقد أدرك أن ريح الشرق التي كانت قد حملت إليه ذات يوم عطر هذه المرأة، وأنه أحبها قبل أن يعلم إن كانت موجودة فعلاً، وأن الحب الذي يكنّه لها سوف يدفعه إلى اكتشاف أسرار الكون كلّها.
وفي الغد عاد الفتى إلى البئر لينتظر فتاته هناك، لكنه تفاجأ بوجود الانكليزي يتأمل الصحراء للمرة الأولى.
قال الانكليزي:
-
لقد انتظرت طوال مابعد الظهر والمساء، لقد وصل عندما ظهرت أولى النجوم في السماء، أخبرته عن الشيء الذي أبحث عنه، وسألني إن كنت قد حوّلت الرصاص إلى ذهب، فأجبته بأن هذا ما أتمنى فعله على وجه التحديد، طلب مني عندئذٍ أن أحاول، ولم يقل شيئاً آخر سوى هاتين الكلمتين: " إذهب وجرّب ".
مكث الشاب صامتاً، وهكذا فإن الانكليزي قد قطع كل هذه المسافة ليسمع ماعرفه من قبل، وتذكّر الشاب أنه هو نفسه قد أعطى ست نعاج إلى الملك العجوز مقابل نتيجة مشابهة.
-
حسن ! حاول ـ قال للإنكليزي.
-
هذا فعلاً ما سأفعله، وسأباشر حالاً.
بعد انصرافه بقليل، وصلت فاطمة إلى البئر كي تملأ قربتها.
-
أتيت لأقول لك شيئاً واحداً ـ قال الشاب ـ أريد أن تكوني زوجتي، فإنني قد أحببتك.
تركت الشابة آنيتها تطفح بالماء، وتابع الشاب:
-
سأنتظرك هنا كل يوم، فقد عبرت الصحراء باحثاً عن كنز موجود قرب الأهرامات، كانت الحرب بالنسبة لي نقمة، والآن اعتبرها نعمة لأنها تبقيني هنا قربك.
-
لابد للحرب أن تنتهي يوماً ما ـ قالت الفتاة.
تأمل أشجار النخيل، لقد كان راعياً وكان يملك قطيعاً من الغنم، أما فاطمة فهي بالنسبة له أهم من الكنز بكثير.
-
المقاتلون يبحثون عن كنوزهم ـ قالت فاطمة، كما لو أنها كانت تقرأ أفكاره ـ ونساء الصحراء فخورات بمقاتليهم، ثم ملأت جرّتها من جديد وانصرفت.
صار الشاب يأتي كل يوم إلى البئر ينتظر قدوم فاطمة، يحدّثها عن حياته كراع، عن لقائه بالملك، وعن مخزن الأواني الزجاجيّة.
صارا صديقين، وصار يجد الوقت طويلاً جداً بقيّة النهار ماعدا الخمس عشرة دقيقة التي كان يقضيها بصحبتها.
كان قد مضى على وجوده في الواحة شهر تقريباً، عندما دعا رئيس القافلة الناس كلّهم إلى الاجتماع، وقال لهم:
-
نحن لانعرف أبداً متى ستنتهي الحرب ولن نستطيع استئناف السفر، فالمعارك ستستمر دون شك وقتاً طويلاً، وربما سنوات... وفي كل جانب يوجد مقاتلون شجعان وأشدّاء، وكلٌ من الجيشين يعتز بالقتال، ليس هناك حرب بين الأخيار والأشرار، إنها حرب بين قوى تتصارع للوصول إلى السلطة نفسها، وعندما تنشب معركة من هذا النوع، فإنها تستمر أكثر لأنه في مثل هذه الحالة يكون الله مع الجانبين في آنٍ واحد.
تفرّق الناس، وفي ذلك المساء رأى الشاب فاطمة من جديد ونقل لها مادار في الاجتماع.

-
في مقابلتك الثانية ـ قالت الشابة ـ حدّثتني عن حبك، ثم علّمتني الكثير من الأشياء الجميلة كلغة النفس الكليّة مثلاً، وكل هذا قد جعل مني شيئاً فشيئاً جزءاً منك.
كان الشاب يصغي إلى صوتها فيجده أجمل من حفيف سعف النخيل، ثم تابعت:
-
منذ زمن طويل وأنا أجيء إلى هنا، قرب البئر لانتظارك، إنني لم أتوصّل لأتذكر ماضيَّ والتقاليد، ولا للطريقة التي يرغب بها الرجال أن تسلكها نساء الصحراء، منذ صغري كنتُ أحلم بأن تمنحني الصحراء يوماً ما أجمل حاضر في حياتي، وهاهي ذي تمنحني هذا الحاضر الذي هو أنت.
أراد الشاب أن يمسك بيدها، لكن فاطمة كانت تمسك بعروتي الجرّة. ثم أردفت:
-
لقد حدّثتني عن أحلامك، عن الملك العجوز، عن الكنز، حدّثتني عن العلامات، ذاك مايجعلني لا أخشى شيئاً، لأن العلامات هي التي قادتك إليَّ، وصرتُ جزءاً من حلمك ومن أسطورتك الشخصيّة، مثلما تقول باستمرار، ولهذا السبب بالذات، أريد لك أن تتابع طريقك نحو ماجئت من 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:22 am

نحو ماجئت من أجله، إن كان يتوجّب عليك الانتظار حتى تنتهي الحرب فهذا عظيم، أما إذا كان عليك أن تسافر، فانطلق إذن نحو أسطورتك الشخصيّة، فإن الكثبات تتغير بفعل الرياح، لكن الصحراء تبقى دائماً نفسها، وهذا ماسيكون عليها حبنا، إنه لقدرٌ مكتوب، ولو كنتُ حقاً أمثّل جزءاً من أسطورتك الشخصيّة فإنكَ ستعود يوماً ما.
لقد أحس بالحزن حين غادرها، كان يفكّر بالناس الذي عرفهم، فالرعاة كانوا يعانون كثيراً لإقناع زوجاتهم بالضرورة التي تفرض عليهم التجوال في الأرياف، لكن الحب يتطلّب البقاء قرب المحبوب.
وفي الغد حدّث فاطمة عن كل هذه الأشياء، فقالت:
-
الصحراء تأخذ منا رجالنا، ولاتعيدهم في بعض الأحيان، ينبغي علينا أن نعتاد على ذلك، وعندئذٍ نراهم حاضرين في السحب التي تمرّ دون أن تمطر، وفي الحيوانات التي تختبئ وسط الحجارة، والماء الفيّاض الذي ينبجس من الأرض، فهم ساعتها يشكّلون جزءاً من كل شيء ويصبحون النفس الكليّة، البعض يعود، وحينذاك تلقى النساء الأخريات سعيدات لأن الرجال الذين ينتظرنهم يمكن ان يعودوا ذات يوم. سابقاً، كنتُ أرى تلك النسوة، وأحسدهن على سعادتهن، وها أنذا الآن مثلهن، وسيكون لي من انتظر عودته، فأنا إحدى نساء الصحراء وأنا فخورة بذلك. أريد لزوجي أيضاً أن يسير حرّاً كالريح التي تحرّك الكثبان، أريد أن أحظى برؤيته في السحب، وفي الحيوانات، وفي الماء.
ذهب الشاب للقاء الانكليزي ليحدّثه عن فاطمة وقد تفاجأ عندما لاحظ أنه قد بنى فرناً صغيراً بجانب خيمته، كان فرناً غريباً، وُضعت فوته قارورة شفّافة، وكان الانكليزي يلقم النار بالحطب، ويتأمل الصحراء.
عيناه كانتا تبدوان أكثر لمعاناً مما كانت عليه عندما كان يمضي كامل وقته غارقاً بين الكتب.
بادر الانكليزي قائلاً:
-
هذه أولى مراحل العمل، عليَّ أن أفصل الكبريت الشائب، وحتى أتوصّل إلى ذلك ينبغي عليّ ألا أخشى الاخفاق، لأن خوفي هو الذي منعني من اكتشاف هذا الانجاز العظيم، ها أنذا الآن أبدأ ماكان يجب ان أقوم به منذ عشرات السنوات، لكنني مع ذلك سعيد، لأنني لم انتظر عشرين سنه أخرى. وتابع إذكاء النار وهو يرقب الصحراء، بقي الشاب قربه بعض الوقت، حتى الساعة التي تلوّنت بها الصحراء بلون غروب الشمس الوردي، عندئذٍ شعر برغبة عارمة بالذهاب إلى هناك لعلّ بمقدور الصمت الإجابة على أسئلته.
مشى لبعض الوقت دون هدف، دون أن تغيب عن ناظريه نخلات الواحة، مصغياً إلى الريح، متحسساً الحصى تحت أقدامه، كان يجد بعض الأصداف، وكان يعلم أن هذه الصحراء كانت منذ عهد بعيد بحراً واسعاً، جلس على حجر كبيرة، وتركنفسه يسحر بالأفق الذي كان قبالته. لم يكن يستطيع أن يتصوّر الحب مجرّداً من فكرة التملّك، لكن فاطمة كانت واحدة من نساء الصحراء، ولعل أهم شيء بمقدوره أن يعينها على الإدراك هو الصحراء.
مكث هكذا دون أن يفكّر بشيء، إلى أن احسَّ بشيء يتحرّك فوق رأسه، نظر في الجو فرأى صقرين يحلّقان عالياً في السماء.
راقب الطيرين الجارحين والأشكال التي كانا يرسمانها في طيرانهما، كانت في الظاهر خطوطاً غير منتظمة، لكنها مع ذلك كانت بالنسبة له ذات معنى، إلا أنه لم يستطع تحليل معناها، قرر أن يتابع حركات الطائرين بنظره علّه يكتشف رسالة ما، ربما يمكن للصحراء أن تفسّر له الحب دون تملّك.
أحس بالنعاس يتلسلل إليه، لكن قلبه كان يأبى عليه ذلك، وبالعكس تماماً ينبغي عليه أن يستسلم ـ ها أنذا من يدخل صميم لغة الكون، فكل شيء في الأرض صار له معنى حتى طيران الصقور نفسه.
لقد أحسَّ بنفسه مكنّاً بالعرفان لهذا الحب الذي يحمله لإمرأة، فقال لنفسه:
-
عندما نحب يصبح للأشياء معنى أكبر.
وفجأة انتفض أحد الصقرين لمهاجمة الآخر، في هذه اللحظة بالتحديد لاحت للشاب رؤيا مفاجئة ووجيزة: زمرة مسلّحة كانت تجتاح الواحة، والسويف كانت مسلولة، وامَّحت الرؤيا في الحال تاركة فيه انطباعاً حاداً. كان قد سمع من قبل عن السراب، وكان قد رأي بعضها، إنها رغبات تتجسد على رمال الصحراء، ومع ذلك لم يكن يرغب بالتأكيد رؤية جيس يستولي على الواحة.
أراد أن ينسى هذا ويعود إلى تأمله، وهو يحاول من جديد أن يركّز على الصحراء الوردية وعلى الحجارة، لكن شيئاً ما في داخله كان يخطف السكينة من قلبه.
تذكّر قول العجوز: " اتبع العلامات دائماً " .
فكّر بفاطمة، ثم تذكّر الرؤيا التي تجلّت له، وحدس بأنها قريباً سوف تتحوّل إلى واقع، بصعوبة استطاع أن يتغلّب على الضيق الذي يختنقه. نهض ثانية وبدأ يمشي صوب أشجار النخيل، ومن جديد أدركَ لغة الأشياء الجديدة: أصبحت الصحراء الآن موطن الأمان، طالما أن الواحة قد غدت موطن الخطر.
كان الجمّال جالساً قرب إحدى النخلات، يرقب أيضاً غروب الشمس، عندما رأى الشاب قادماً من وراء الكثبان، فبادر الشاب قائلاً:
-
هناك جيس يتقدّم، فقد حصلت لديّ رؤيا.
-
الصحراء توحي إلى قلوب الناس بالكثير من الرؤى ـ أجاب الجمّال.
لكن الشاب حدّثه عن الصقرين، لقد كان يراقب طيرانهما، عندما غاص فجأة في النفس الكليّة.
لم يجب الجمّال بشيء لقد فهم ماكان محاوره يقول، كان يعلم أن أي شيء على وجه الأرض يمكن له أن يحطي قصة الأشياء كلّها وعندما نفتح كتاباً على صفحة ما لا على التعيين، أو عندما نتفحصّ كفّ انسان ما، أو نراقب طيران الطيور، أو ننظر في ورق اللعب، أو أي شيء 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:22 am

آخر كائناً ماكان، فإن كل واحد منا سيستطيع اكتشاف تلك الرابطة بين كل ماهو حي. وفي الحقيقة ليست الأشياء هي التي تكشف أي شي بذاتها، وإنما هم البشر الذين يراقبون هذه الأشياء ويكتشفون الطريقة التي تمكّنهم من دخول النفس الكلية.
الصحراء آهلة برجال يكسبون معيشتهم لأن باستطاعتهم اقتحام النفس الكليّة بسهولة، وقد عُرفوا باسم " العرّافين "، وكان المسنّون والنساء يهابونهم، ولم يكن المحاربون ليستشيرونهم إلا فيما ندر، لأنه لاداعي للذهاب إلى المعركة عندما تعرف مسبقاً اللحظة التي تموت فيها. كان المقاتلون يفضّلون نكهة القتال، وركوب المخاطر، ولمس المجهول، فالمستقبل قدر كتبه الله، وأيّاً كان هذا المكتوب، فإنه دائماً لخير الناس. إذن، فالمحاربون يعيشون الحاضر فقط لأن الحاضر يعجّ بالمفاجآت، وعليهم أن يكونون متيقظّين للكثير من الأشياء: أين يوجد سيف العدو، أين فرسه وأين عليه أن يضرب ليتحاشى الموت.
لم يكن الجمّال مقاتلاً، وكان قد استشار العرّافين، الكثيرون منهم ذكروا أشياء حقيقية وأخبره آخرون بأشياء خاطئة إلى أن ٍاله أحدهم ذات يوم وهو الأكبر سناً والأكثر هيبة عن سرّ اهتمامه بمعرفة المستقبل.
أجاب الجمّال:
-
كي أستطيع القيام بأشياء عدة، ولكي أغيّر مجرى مالا أحب أن يقع لي.
-
عندئذٍ لن يكون هذا مستقبلك ـ علّق العرّاف.
-
لكن ربما أريد معرفة المستقبل لأحضّر نفسي لتلقي ماينبغي أن يحصل
أجاب العرّاف:
-
لو كانت أموراً جيّدة، لحصلت على مفاجأة جميلة، ولو كانت سيئة فإنها ستسبب لك العذاب قبل وقوعها.
قال الجمّال:
-
أريد أن أعرف المستقبل لأنني إنسان، والناس يعيشون تبعاً لمستقبلهم.
مكث العرّاف لحظة دون أن ينطق بشيء، اختصاصه كان بلغة العيدان، التي يلقيها أرضاً، يفسّر الطريقة التي توزّعت بها على الأرض، لكنّه في ذلك اليوم لم يستعمل العيدان، بل لفّها في قماش قطني، وأعادها إلى جيبه قائلاً:
-
إنني أكسب معيشتي كعرّاف يتنبأ بمستقبل الناس، إنني أعرف علم العيدان، وأعرف كيفية استعمالها، كي أوغل في هذا الفضاء، حيث كل شيء كُتب مسبقاً، واستطيع فيه أن أقرأ الماضي، واكتشف المنسي، وأفهم علامات الحاضر، وعندما يستشيرني الناس فإنني لا أقرأ مستقبلهم، أنا أخمّنه لأن المستقبل ملك لله ووحده يكشف ستره، كيف لي أن أخمّن المستقبل؟ الفضل في ذلك يعود لعلامات الحاضر، فالسرّ يكمن في الحاضر. وإذا تنبّهت إلى حاضرك، بإمكانك جعله أفضل، وإن حسّنت الحاضر، فإن مايعقبه يكون جيّداً، انسَ المستقبل وعش كل يوم من حياتك حسب تعاليم الشريعة، وثق بعناية الإله تجاه أبنائه، فكل يوم يحمل الخلود في طيّاته.
أراد الجمّال أن يعرف ماهي تلك الظروف الاستثنائية التي يسمح الإله فيها بمعرفة المستقبل.

-
هذا عندما هو نفسه يزيح الستر عنه، ونادراً مايكشفه، وذلك لسبب واحد: إنه مستقبل كُتب ليتغير.
-
لقد أظهر الله للشاب مستقبلاً ما، لأنه أراد أن يجعل منه أداته ـ حدّث الجمّال نفسه، ثم قال للشاب:
-
اذهب للقاء شيوخ القبائل، وحدّثهم عن المقاتلين الذين يقتربون.
-
سيسخرون مني.
-
إنهم من أبناء الصحراء، وهم معتادون على العلامات.
-
إذاً فهم يعلمون ذلك مسبقاً.
-
ليس هذا همّهم، فهم يعتقدون بأنه لو أراد الله لهم أن يعلموا بشيء، فإن الله سيعمل على ذلك وسيأتي من يخبرهم به، وهذا ماحدث مراراً، أما اليوم فإنك أنت هذا الرسول.
فكّر الشاب بفاطمة، وقرّر الذهاب للقاء شيوخ القبائل.
-
إنني أحمل رسالة من الصحراء ـ قال للحارس الذي كان يقوم على حراسة خيمة بيضاء كبيرة مقامة في مركز الواحة ـ أريد التحدّث إلى الشيوخ.
لم يجب الخفير بشيء، دخل الخيمة، مكث فيها وقتاً طويلاً ثم خرج بصحبة أعرابي شاب يرتدي ثياباً بيضاء ويتقلّد الذهب، وروى له الشاب ماكان قد رآه، فطلب منه العربي أن ينتظر قليلاً ثم عاد إلى خيمته.
هبط الليل، عرب وتجار كثر، دخلوا وخرجوا، وشيئاً فشيئاً كانت نيران الوقد تخمد، وأضحت الواحة خلال لحظات صامتة كصمت الصحراء، لم يبقَ مشتعلاً إلا ضوء الخيمة الكبيرة، وبمرور الوقت لم يتوقف الشاب عن التفكير بفاطمة، دون أن يفهم جيداً ما أسفرت عنه المحادثة التي تمّت مابعد الظهر.
أخيراً، وبعد ساعات عديدة من الانتظار أدخله الحارس.
مارآه جعله يشرد في ذهول شديد، فلم يكن ليتخيّل قط وجود خيمة كهذه في وسط الصحراء، كانت أرضها مغطاة بأجمل السجاد الذي لم يسبق له أن مشى عليه، من الأعلى ثريات تتدلى، شمعدانات مذهّبة ومنقوشة تحمل شموعاً مشتعلة، وشيوخ العشائر يجلسون في الخيمة على شكل نصف حلقة، متكئين على أرائك حريرية مطرّزة بأبهة، خدم يأتون ويروحون حاملين أطباقاً عليها مالذ وطاب من الطعام ويقدّمون الشاي، آخرون يسهرون على إبقاء جمرات النراجيل مشتعلة، ورائحة تبغ طيبة تعطّر الجو.
لكنه فهم في الحال أيّهم الأعلى قدراً، إنه عربي يرتدي البياض ويضع الذهب، وكان يجلس في 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:22 am

مركز نصف الحلقة، وبجانبه يجلس الشاب الذي كان قد تحدّث معه منذ وقت قصير.
-
من هو الغريب الذي يتحدّث عن رسالة؟ سأل احد الشيوخ وهو ينظر إليه.
-
إنه أنا، وروى ماكان قد رآه.
-
هل للصحراء أن تقول هذه الأشياء لرجل قدم من مكان آخر، وهي تعلم أننا نقيم هنا منذ أجيال عديدة؟ قال شيخ آخر.
-
لأن عينيّ لم تعتادا بعد على الصحراء بحيث أنني أستطيع أن أرى مالا تستطيع العيون المعتادة عليها أن تراه، ولأنني أعرف ماهي النفس الكليّة ـ قال لنفسه، لكنه لم يضف شيئاً لأن العرب لايعتقدون بتلك الأشياء.
قال شيخ ثالث:
-
الواحة أرض محايدة، ولن يهاجمها أحد.
-
إنني أروي مارأيته، وإذا كنتم لا تريدون تصديقي، فلا تفعلوا شيئاً.
أطبق الصمت على الخيمة، ثم أعقبته مشاورة حادة بين الشيوخ العشائر، كانوا يتكلّمون بلغة عربية محلية، لم يفهمها الشاب، لكنه عندما تظاهر بأنه يريد الخروج، طلب منه الحارس أن يبقى. بدأ يكابد بعض الخوف، فالعلامات كانت تنبئه بأن شيئاً ما لايسير على مايرام وتأسّف لأنه أخبر الجمّال عن هذا الأمر.
فجأة ابتسم الرجل المسن الذي كان يحتل مركز الخيمة ابتسامة شبه خفيّة، فاطمأن الشاب. لم يكن الشيخ العجوز قد ساهم في النقاش، ولم يكن بعد قد نطق بأية كلمة، لكن الشاب كان معتاداً على اللغة الكونية، واستطاع أن يشعر برعشة سلام تجوب الخيمة من طرف إلى آخر، حدسه قال بأنه قد فعل خيراً بمجيئه.
انتهى النقاش، وصمت الجميع لينصتوا إلى ذلك الرجل العجوز يتكلّم، وقد التفت إثر ذلك إلى الغريب، وقد بدت الآن تعابير وجهه صارمة ومتحفظّة.
-
منذ ألفي عام، في بلاد بعيدة، أُلقي برجل في بئر، وبِيع كعبد، كان يؤمن بالاحلام وقد اشتراه تجار من عندنا، واصطحبوه إلى مصر، وكلنا يعلم أن من يعتقد بالأحلام يعرف تفسيرها.
-
ومع أنه لايصل دائماً إلى تحقيقها ـ فكّر الشاب متذكّراً الغجرية العجوز.
وتابع الشيخ:
-
وبفضل الحلم بالبقرات العجاف، والبقرات السمان، الذي حلمه فرعون، فقد استطاع ذلك الرجل إنقاذ مصر من المجاعة، كان يُدعى " يوسف "، وكان مثلك غريباً في أرضٍ غريبة، وكان له تقريباً نفس عمرك.
امتد الصمت، وبقيت نظرة العجوز صارمة.
-
نحن نتّبع التقاليد دائماً ـ ردّد ـ فالتقاليد قد انقذت مصر من المجاعة آنذاك، وجعلت من شعبها أكثر الشعوب ثراءً، التقاليد تعلّم كيف ينبغي على الرجال عبور الصحراء، وتزويج بناتهم، التقاليد تقول أن الواحة تمثّل أرضاً محايدة لأن المعسكرين يمتلكان واحات وهي ضعيفة أمام العدوان.
لم يلفظ أحد أدنى كلمة عندما كان الرجل العجوز يتكلّم.
-
لكن التقاليد أيضاً تدعونا للوثوق برسائل الصحراء، وكل مانعرفه، فإنما الصحراء علّمتنا إياه.
أشار بإصبعه، فهبّ كل الأعراب واقفين، فقد انتهى الاجتماع، واُطفئت النراجيل، وعدَّل الحرّاس وضعيتهم.
تهيأ الشاب لمغادرة المكان لكن العجوز استأنف الكلام:
-
غداً سنفسخ الاتفاق القاضي بمنع حمل السلاح في الواحة، وسننتظر العدو أثناء النهار، وعندما تميل الشمس للغروب، فإن الرجال سيعيدون لي أسلتحهم، ومقابل كل عشرة قتلى من العدو ستلقى قطعة من الذهب. على كل حال، لا يمكن للأسلحة أن تخرج إلا إلى المعركة، إنها متقلّبة المزاج كالصحراء، وإن أخرجناها من أجل لاشيء فبإمكانها رفض إطلاق النار، وإن لم تُستعمل أياً منها غداً، فإن واحدة على الأقل ستُستخدم ضدّك.
عندما غادر الخيمة لم تكن الواحة مضاءة إلا بنور القمر، وعليه أن يمشي عشرين دقيقة كي يصل إلى خيمته، فمضى في دربه.
كان يقاسي ألماً شديداً من جرّاء ما حصل، لقد غاص في النفس الكليّة، وربما سيدفع حياته ثمناً لذلك، اختبار عسير، لكن كان قد راهن منذ اليوم الذي باع فيه أغنامه لكي يتبع أسطورته الشخصيّة.
ومثلما قال الجمّال: " الميتة واحدة سواء أكانت غداً، أو في يوم آخر، وماوُجد أيُّ يوم إلا لنعيشه أو لنخرج فيه من الدنيا، وكل شيء من الوجود مبني على كلمة واحدة: مكتوب "
سار بصمت، غير آسف على شيء، وإن كان سيفترض أن يموت غداً، فليس هذا إلا لأن الله لايريد تغيير المستقبل، ولكنه سيموت بعد أن اجتاز المضيق، وعمل في متجر الزجاجيّات، وعرف الصحراء، وعيون فاطمة، فمنذ أن غادر بلده وهو يعيش أيامه بحدّة، وكان هذا منذ زمن طويل، وإن قُدّر له أن يموت غداً، فلا بأس لأن مارأته عيناه من الدنيا يفوق مارأته عيون الكثيرين من الرعاة الآخرين، وهو فخور بذلك.
فجأة، رنَّ في أذنه صوت أشبه بالدوي، وسقط أرضاً، مدفوعاً بهبة ريح شديدة العنف، واجتاحت المكان سحابة من الغبار غطّت تقريباً ضوء القمر، وأمامه شب حصان ضخم ذو صهيل مرعب.
كان يميّز مايجري بصعوبة، ولكن عندما تبدد الغبار أحس برعب فظيع لم يسبق إطلاقاً أن أحسّ بمثله، فقد برز أمامه رجل يمتطي صهوة الحصان، ويرتدي ثياباً سوداء، يعلون كتفه الأيسر صقر، وقد غطّى رأسه بعمامة ولثام يحجب كل وجهه ماعدا عينيه، يبدو أنه رسول الصحراء، وله حضور لايرتقي إليه أحد في العالم.
وامتشق هذا الفارس الغريب سيفاً كبيراً ذا نصل مقوّس، كان معلّقاً بسرج حصانه، إنه من الفولاذ ويتألّق تحت ضوء القمر.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:22 am

- من تجرّأ أن يفسّر طيران الصقرين؟
سأل بصوت قوي، حتى لكأنه يرجع صدى خمسين ألف شجرة نخيل.
-
أنا من تجرأ ـ قال الشاب متذكّراً في الحال تمثال القدّيس جاك، شاطر العرب إلى شطرين، ساحقاً الكفار بسنابك حصانه الأبيض، إنه الشيء نفسه تماماً، ماعدا أن الوضع الآن معكوس !
-
أنا تجرّأت ـ كرّر الشاب، وأحنى رأسه مستعداً لضربة السيف، العديد من الأرواح البشرية سيُكتب لها النجاة، لأنك لم تحسب حساباً للنفس الكليّة.
لم يخفض السلاح بسرعة، ويد الفارس نزلت على مهل، ورأس السلاح الذي لامس جبهة الشاب كان حاداً، فسالت منه قطرة من الدماء.
كان الفارس والشاب كلٌّ في مكانه لا يتزحزح، وحتى فكرة الهروب لم تخطر بباله، جذل غريب استحوذ على فؤاده، سيموت في سبيل اسطورته الشخصيّة ومن أجل فاطمة، والعلامات في النهاية لم تخطئ، فالعدة هنا وليس عليه أن يأبه بالموت طالما أن النفس الكليّة حاضرة، بعد قليل سيصبح جزءاً منها، وغداً سيصبح العدو جزءاً منها.


اكتفى الغريب بتثبيت رأس السيف على جبهته.
-
لماذا قرأت في طيران الصقرين؟
-
قرأت فقط ماكانت تريد الطيور أن تحكيه، فهي تريد أن تنقذ الواحة وأنت وجماعتك ستموتون، فرجال الواحة أكثر عدداً منكم ـ وطرف السيف الحاد مايزال موضوعاً على حبهته.
-
من أنت كي تغيّر القدر الذي خطته يد الله؟
-
خلق الله الجيوش، وخلق الطيور أيضاً، والله هو الذي أطلعني على لغة الطيور، فكل شيء قد كُتب بيد واحدة ـ قال الفتى، متذكّراً ماقاله الجمّال.
أخيراً رفع الفارس سيفه، وأحس الشاب بالانفراج، غير أنه لم يكن يستطيع الهرب.
-
حذار من التنبؤات، فعندما تكون الأمور مكتوبة، فليس هناك مجال لتلافيها.
-
لقد رأيت جيشاً، ولم أرَ نهاية المعركة.
بدا الفارس مقتنعاً بالاجابة، لكنه بقي محتفظاً بسيفه في يده، ثم سأله:
-
ماذا يفعل غريب في أرض غريبة؟
-
أبحث عن أسطورتي الشخصيّة، هذا شيء لن تستطيع فهمه أبداً.
أعاد الفارس سيفه إلى غمده، أطلق الصقر الجاثم على كتفه صرخة غريبة، فبدأ الشاب يستريح.
-
كان عليَّ أن أمتحن شجاعتك، فالشجاعة هي الفضيلة الأولى لمن يبحث عن اللغة الكونية.
دهش الشاب، هذا الرجل يتحدّث عن أشياء لايعرفها إلا قلّة من الناس.
-
يجب عدم الاستسلام إطلاقاً، حتى لو توصّل الانسان في معرفته إلى مدى بعيد ـ تابع الفارس ـ 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:23 am

فعليه أن يحب الصحراء، ولكن عليه ألا يثق بها تماماً، فالصحراء هي محك الرجال: إنها تمتحن الانسان من خلال خطواته وتقتل من ينصرف للعبث.
كلماته كانت تذكّره بكلمات الملك العجوز.
ثم أضاف الفارس:
-
إن جاء المقاتلون، وإن بقي رأسك فوق كتفيك، فغداً وبعد غروب الشمس تعالَ لأراك.
واليد التي كانت تقبض بالسيف صار فيها سوط، ثم شب الحصان من جديد، مثيراً سحابة من الغبار.
ودلّت اليد الممسكة بالسوط على جهة الجنوب.
الشاب كان قد التقى الخيميائي.


× × ×


صباح الغد كان هناك ألفا رجل مدججين بالسلاح وسط أشجار نخيل الفيّوم، وقبل أن تبلغ الشمس أوج السماء، ظهر عند الأفق خمسمائة محارب.
دخل الفرسان الواحة من الشمال، كانت الحملة سِلميّة، لكن الأسلحة كانت مخبّأة تحت برانسهم البيضاء، وعندما وصلوا بالقرب من الخيمة الكبيرة المنتصبة في مركز الواحة، أظهروا سيوفهم المعقوفة، وبنادقهم وهاجموا خيمة خالية.
طوّق رجال الواحة فرسان الصحراء، وفي ظرف نصف ساعة، كانت هناك أربعمائة وتسعة وتسعين جثة مبعثرة على الأرض، كان الأطفال في الجهة الأخرى من بستان النخيل، ولم يروا شيئاً، والنساء كنَّ في الخيم يبتهلن من أجل أزواجهن، وهنَّ لم يرين شيئاً أيضاً.
وعلى الرغم من كثرة الجثث الهامدة في كل مكان، فإن الواحة بدت وكأنها تعيش يوماً عادياً.
محارب واحد فقط نجا من الموت في الموقعة، هو ذاك الذي كان يقود المقتحمين، وقد اقتيد في المساء ليمثل أمام شيوخ القبائل الذين سألوه عن سبب انتهاكه لحرمة التقاليد.
أجاب أن رجاله كانوا يقاسون الجوع والعطش، منهكين من المعركة التي طال أمدها، فعزموا على الاستيلاء على واحة ما، كي يستطيعوا استئناف القتال.
أعرب شيخ الواحة عن حزنه تجاه هؤلاء المحاربين الذين كان ينبغي عليهم احترام التقاليد في أي ظرف كان، فالشيء الوحيد الذي يتغير في الصحراء هو الكثبان عندما تهب الريح.
ثم حكم الشيخ على المعادي بميتة غير مشرّفة، فبدل أن يُقتل بالسلام الأبيض، أو بطلقة من بندقية، فإنه سيموت شنقاً، معلقاً بجذع نخلة يابسة، وستبقى جثّته تتأرجح في مهب ريح الصحراء.
استدعى شيخ القبيلة الشاب الغريب، وأعطاء خمسين قطعة ذهبيّة، ثم ذكّر من جديد بسيرة يوسف في مصر، وطلب من الشاب أن يظل اعتباراً من الآن مستشار القبيلة.


× × ×


عندما غابت الشمس، وبدأت أولى النجوم بالظهور، ( لم تكن تلمع كثيراً لأن القمر كان بدراً)، ذهب الشاب نحو الجنوب ولم يكن هناك إلا خيمة واحدة، وحسب بعض العرب الذين كانوا يمرّون من هناك فإن المكان مسكون بالجن، لكنّه جلس وانتظر طويلاً.
ظهر الخيميائي بينما كان القمر مايزال عالياً في السماء حاملاً على كتفه صقرين ميتين.
-
ها أنذا ـ قال الشاب.
-
كان ينبغي عليك أن تكون هنا، أم أن أسطورتك الشخصيّة اقتضت عليك المجيء؟
-
هناك حرب بين العشائر وليس من الممكن عبور الصحراء.
نزل الخيميائي عن حصانه، وأشار إلى الشاب أن يدخل معه خيمته، كانت مشابهة لكل الخيام التي تمكّن من رؤيتها في الواحة، باستثناء الخيمة المركزية الكبيرة التي تذكر فخامتها بحكايات الجن.
جال بنظره باحثاً عن أجهزة وعن أفران خيمياء، لكنه لم ير شيئاً من ذلك، كان هناك فقط أكداس من الكتب، وموقد صغير لتحضير الطعام، وسجادات مزخرفة برسوم غريبة.
-
أجلس سأحضر الشاي ـ قال الخيميائي ـ وسوف نأكل معاً هذين الصقرين.
تساءل الشاب، إن كان هذان الصقران، هما نفسهما اللذان رآهما عشيّة البارحة، لكنه لم يقل شيئاً.
أشعل الخيميائي النار، وبعد قليل عبقت في الخيمة رائحة لحم شهيّة، كانت ألطف بكثير من رائحة النرجيلة.
-
لماذا كنت تريد رؤيتي؟ سأل الشاب.
أجاب الخيميائي:
-
بسبب العلامات، فالريح قد أخبرتني بأنك ستأتي وبأنك ستحتاج للمساعدة.
-
لا ليس أنا، إنه الغريب الآخر، فالانكليزي هو الذي كان يبحث عنك.
-
سينبغي عليه أن يجد أشياء أخرى قبل أن يراني، لكنه على الطريق الصحيحة، فقد بدأ بتمعّن الصحراء.
-
وأنا؟
-
عندما يريد الإنسان شيئاً، فإن الكون كلّه يتضافر ليسمح له بتحقيق حلمه ـ قال الخيميائي 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:23 am

مردداً كلمات الملك العجوز.
فهم الشاب، أن إنساناً آخر ينتظره، كي يقوده إلى أسطورته الشخصيّة.
-
ستعلّمني إذن.
-
كلا، فأنت تعرف مسبقاً ماعليك معرفته وبكل بساطة سأرشدك فقط إلى الدرب التي تقودك إلى كنزك.
-
هناك الحرب بين العشائر ـ كرّر الشاب.
-
لكنني أعرف الصحراء.
-
لقد وجدتُ كنزي، لدي جمل، والمال الذي كسبته من متجر الزجاجيّات، والقطع الذهبيّة الخمسون، فأنا أسطيع أن أكون إنساناً غنيّاً في بلدي.
-
لاشيء من كل هذا يوجد قرب الأهرامات.
-
لديَّ فاطمة، إنها أعظم كنز استطعت الحصول عليه.
-
هي أيضاً ليست قرب الأهرامات.
أكلا الصقرين بصمت، وفتح الخيميائي زجاجة، وصبَّ منها سائلاً أحمر في قدح ضيفه، كان نبيذاً من أطيب انواع النبيذ التي شربها في حياته.
-
لكن الشرع يحرّم الخمر.
رد الخيميائي:
-
الشر ليس بما يدخل فم الانسان، وإنما بما يخرج منه.
وما إن شرب حتى أخذ يحس بأنه على أحسن مايرام، لكن الخيميائي كان يخيفه قليلاً. ثم ذهبا ليجلسا خارج الخيمة، وبدآ يتأملاّن نور القمر الذي يغمر ضوء النجوم.
-
اشرب وتمتع بجزء من وقتك ـ قال الخيميائي ملاحظاً أن الشاب أصبح مرحاً أكثر فأكثر ـ واستراح دائماً كما يستريح مقاتل قبل ذهابه إلى المعركة، لكن لاتنسَ أن فؤادكَ يوجد حيث يوجد كنزك، ولابد لكنزك أن يُكتشف، حتى يكون هناك معنى لكل ماكتشفته في دربك.
-
بعْ جملكَ غداً، واشترِ حصاناً، فالجمال غدّارة، لأنها تقطع آلاف الخطوات دون أن تدعك ترى أية دلالة على أنها متعبة، وفجأة تخرّ على ركبها وتموت، أما الخيول فإنها تتعب تدريجياً وستعرف دائماً الحدّ الذي يمكنك أن تطالبها به، واللحظة التي ستموت فيها.


× × ×


وفي الغد وصل الفتى أمام خيمة الخيميائي، ممتطياً حصاناً، انتظر لحظة حتى ظهر له راكباً بدوره حصاناً، والصقر جاثم على كتفه الأيسر.

قال الخيميائي:
-
أرني الحياة في الصحراء، فوحده الذي يستطيع أن يجد فيها الحياة يستطيع أن يكتشف فيها الكنوز.
مضيا في طريقهما عبر الرمال، وضوء القمر يغمرهما.
-
لستُ أدري إن كنت سأنجح في إيجاد ثمة حياة في الصحراء ـ فكّر الشاب ـ فأنا لا أعرف الصحراء بعد.
أراد أن يلتفت كي يعلن للخيميائي عن فكرته، لكنه كان يخافه، وهاهما قد وصلا الآن إلى المكان الكثير الحصى حيث كان قد رأى فيه الصقرين في السماء.
الآن، كل شيء كان يلّفه الصمت والريح.
لا أستطيع التواصل إلى لقاء الحياة في الصحراء، فأنا أعلم أنها موجودة، لكنني لا أتوصل إلى إيجادها.
-
الحياة تجذب الحياة ـ أجاب الخيميائي.
فهم الشاب ماكان يقصد بقوله، وفي الحال أرخى عنان حصانه الذي أخذ يعدو على هواه وسط الحجارة والرمال، كان الخيميائي يتبعه واستمر حصان الشاب يسير هكذا لمدة نصف ساعة.
لم يكن الرجلان يستطيعان أن يميّزا نخيل الواحة، لم يكن هناك إلا صفاء السماء العجيب، يجعل الصخور تلمع كلمعان الفضّة، وفجأة وفي مكان لم يأت إليه مطلقاً من قبل أحس الشاب أن مطيته قد توقفت.
-
هنا توجد الحياة ـ قال الخيميائي ـ فإنني لا أعرف لغة الصحراء، لكن حصاني يعرف لغة الحياة.
تسمرّا في الأرض، لم يقل الخيميائي شيئاً، بل أخذ في تأمّل الحجارة وهو يتقدّم ببطء.
توقف فجأة وانحنى بدراية فائقة، فإن جحراً كان هناك في الأرض بين الأحجار، أدخل الخيميائي فيه يده، ثم مدّ ذراعه كلّها حتى الكتف، شيء ما تحرّك هناك في الداخل، واغمضت عينا الخيميائي لتشهدا على الجهد الذي كان يبذله، يبدو أن اليد كانت في عراكٍ مع مايوجد داخل الجحر. وثب الكيميائي وثبة أخافت صاحبه وقد سحب ذراعه ونهض واقفاً، كانت يده تمسك بأفعى من ذيلها.
قفز الشاب إلى الخلف، حيث كانت الأفعى تتخبط بجنون، وتُصدر فحيحاً يقطع صمت الصحراء، إنه ثعبان كوبرا يمكن لسمّه أن يقتل رجلاً في بضعة دقائق.
-
حذار من السّم ـ نبهه الشاب.
لكن الخيميائي الذي أدخل يده في الحجر لا بد أن يكون قد لُسع، على الرغم من ذلك كانت هيئته مشرقة.
الخيميائي رجل طاعنٌ في السن وهو يبلغ من العمر مائتي عام. هكذا كان قد قال له الانكليزي، 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:23 am

ولابد أنه يعرف كيف يتعامل مع ثعابين الصحراء.
رأى الشاب صاحبه يعود إلى حصانه، ويتناول سيفه الهلالي الكبير، وبه رسم دائرة على الأرض، ثم وضع الأفعى وسط هذه الدائرة، وفي الحال شلّت حركتها.
-
لاتقلق ـ قال الخيميائي ـ فهي لن تخرج من هنا أبداً، وقد اكتشفت الحياة في الصحراء، إنها العلامة التي أحتاجها.
-
لِمَ ؟ هل لذلك أهميّة كبيرة؟
-
لأن الأهرامات تقع وسط الصحراء.
لم يكن الشاب يريد أن يسمع حديثاً عن الأهرامات، فؤاده كان مُجهَداً وحزيناً منذ مساء الأمس، وجدّه في طلب الكنز يعني في الحقيقة تخليه عن فاطمة.
قال الخيميائي: سأقودك عبر الصحراء.
-
أريد البقاء في الواحة ـ أجاب الفتى ـ لقد التقيت بفاطمة، وهي أغلى لدي من أي كنز,
-
فاطمة بنت الصحراء، فهي تعلم أن على الرجال الرحيل كي يعودوا. هي وجدت كنزها الذي هو أنت، وهي تنتظر منك أن تجد ماتبحث عنه.
-
وإن قررتُ البقاء؟
-
ستكون مستشار الواحة، وستملك من الذهب مايكفي لشراء عدد جيد من الأغنام والجمال وستتزوج فاطمة، وستعيش سعيداً.
في السنة الأولى ستتعلم حب الصحراء، وستعرف كل نخلة من أشجار نخيلها الخمسين ألفاً، ستدرك كيف تنمو، وسوف تريك عالماً لا يتوقف أبداً عن الغيير، وستصبح ضليعاً في تحليل العلامات، لأن الصحراء أعظم معلّم بين المعلّمين.
في السنة الثانية، ستتذكر وجود الكنز، والعلامات ستحدّثك عنه بإلحاح، وستحاول ألا تهتم بذلك، وستسخّر معارفك لخير الواحة وساكنيها فقط، وسيكون شيوخ القبائل في غاية الامتنان لك، وجِمالك ستجلب لك الغنى والسلطة.
في السنة الثالثة، ستستمر العلامات في التحدّث عن الكنز، وعن أسطورتك الشخصيّة، ستقضي الليالي هائماً على وجهك في الواحة، وستصبح فاطمة حزينة لأن مسيرتك انقطعت بسببها، لكنك ستستمر في حبها لك وستتقاسمان هذا الحب، ستتذكر أنها لم تطالبك البقاء، لأنها امرأة من الصحراء، تحسن انتظار عودة زوجها، لن تحقد عليها، لكنك ستمشي الليالي في رمال الصحراء، وسط أشجار النخيل، ظانّاً أنك ربما كنت تستطيع متابعة طريقك، مُعتمداً أكثر على حبك لفاطمة، لأن ما سيجعلك تبقى في الواحة هو فقط خوفك من عدم تمكّنك من الرجوع إليها أبداً، وعندما تصل إلى هذا الحدّ فإن العلامات ستبيّن لك أن كنزك قد توارى إلى الأبد تحت التراب.
في السنة الرابعة، ستتخلى عنك العلامات، لأنك لم ترد الاصغاء لها وسيفهم ذلك شيوخ القبائل وسوف تُخلع من عملك كمستشار، ستصبح عندئذٍ تاجراً ثريّاً، يملك عدداً من الجِمال، ووفرة من البضائع، لكن ستقضي مابقي من أيامك هائماً وسط أشجار النخيل والصحراء، وأنت تعرف أنك لم تكمل أسطورتك الشخصيّة، وعندما يحصل ذلك فهذا يعني أنه لم يكن يحباً حقيقياً، ذاك الذي يتكلّم اللغة الكونية.
محى الخيميائي الدائرة التي خطّها على الرمل، وثعبان الكوبرا هرب بسرعة ليختفي بين الحجارة.
كان الفتى يتخيّل تاجر الزجاجيّات الذي طالما أراد الذهاب إلى مكة، والانكليزي الذي يبحث جاهداً عن الخيميائي، وامرأة تثق بالصحراء التي ساقت إليها الانسان الذي أحبه قلبها.
امتطيا حصانيهما، وفي هذا المرّة فإن الشاب هو الذي تبع الخيميائي. كانت الريح تحمل ضجيج الواحة، وكان الشاب يحاول التعرّف على صوت فاطمة، ففي ذلك اليوم لم يتمكّن من الذهاب إلى البئر بسبب المعركة. لكن في تلك الليلة، وبينما كان يشاهد الثعبان داخل الدائرة، فإن الفارس الغريب مع صقره الذي يحط على كتفه، قد تكلّم عن الحب والكنوز وعن نساء الصحراء وعن أسطورته الشخصيّة.
-
سأذهب معك ـ قال الشاب، وأحس فوراً بالأمان يستقر في داخله.
-
سننطلق غداً قبل شروق الشمس.
كانت هذه هي إجابة الخيميائي الوحيدة.


× × ×


لم يستطع الشاب أن ينام تلك الليلة، فقبل الفجر بساعتين أيقظ وحداً من الفتيان الذين في الخيمة، وطلب منه أن يرشده إلى مكان سكنى فاطمة.
خرج الإثنان وذهبا إلى هناك.
وبالمقابل أعطى الشاب لديله مايكفي لأن يشتري له نعجه، ثم ترجاه أن يبحث عن خيمتها، وأن يوقظها، ويخبرها بأنه ينتظرها في الخارج، نفذّ الفتى العربي مهمّته، وتلقى كأجر مالاً يكفي لشراء نعجة أخرى.
-
الآن دعنا وحدنا ـ قال للفتى الذي عاد وهو يشعر بالسعادة لمساعدته مستشار الواحة، وماكسبه من مال يكفي لشراء نعجتين.
ظهرت فاطمة على باب الخيمة، فراحا يتمشيّان معاً وسط أشجار النخيل، كان يعلم أن هذا مُخالف للتقاليد التي يقدّر أهميّتها في هذه اللحظة.
قال:
-
سأرحل وأريد أن تعلمي أنني سأعود، أنا أحبك لأن ...
-
لاتقل شيئاً ـ قاطعته فاطمة ـ إننا نحب لأننا نحب، لايوجد سبب آخر كي نحب.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:23 am

مع ذلك فقد استأنف:
-
أحبكِ لأنني رأيت حلماً، ثم التقيتُ ملكاً، بعت الزجاجيّات، عبرت الصحراء، ثم تقاتلت العشائر، وجئت قرب بئر لأعلم أين يسكن خيميائي، أحبك لأن الكون كلّه قد تضافر ليوصلني إليكِ.
تعانقا، وكانت تلك المرة الأولى التي يتلامس فيها جسداهما.
-
سأعود ـ قال الشاب أيضاً.
-
من قبل، عندما كنت أنظر إلى الصحراء، فقد كنت أنظر إليه بشوق، أما الآن فسوف يستحيل هذا الشوق إلى أمل، فقد سافر والدي ذات يوم، لكنه عاد إلى أمي، ومايزال يعود في كل مرة يسافر فيها.
لم يقولا شيئاً بعد، وإنما مشيا قليلاً وسط صريمة النخيل ثم أوصلها حتى مدخل خيمتها.
-
سأعود مثلما عاد أبوكِ إلى أمكِ ـ قال لها، وقد لاحظ أن عينيها قد اغرورقتا بالدموع.
-
أنتِ تبكين؟
-
صحيح أنني بنت الصحراء ـ أجابت وهي تخفي وجهها ـ لكنني امرأة فوق كل اعتبار.
عادت فاطمة إلى خيمتها، بينما كانت الشمس تشرف على الشروق، وعند مطلع النهار ستخرج لتفعل ماكانت تفعله منذ سنوات، لكن كل شيء قد تغيّر، فالشاب لم يعد في الواحة.

والواحة فقدت ذلك المعنى الذي كانت تنطوي عليه حتى ذلك الحين، لن تصبح بعد الآن، تلك البقعة الكبيرة ذات الخمسين ألفاً من أشجار النخيل، وذات الثلاثمائة بئراً، والتي كان يبتهج الحجيج عند الوصول إليها بعد سفر طويل، واعتباراً من هذا اليوم لن تكون الواحة سوى مكان خاو، منذ الآن ستكون الصحراء أكثر أهمية من الواحة، وستقضي وقتها مراقبة السماء، متسائلة أي نجم سيكون دليل الشاب في بحثه عن كنزه، ولسوف ترسل له قبلاتها عبر الأثير آملة أن تلامس وجهه وتخبره بأنها على قيد الحياة، وأنها بانتظاره، كامرأة تنتظر رجلاً جسوراً يتابع طريقه بحثاً عن الكنوز والأحلام.
من اليوم لن يكون من الصحراء إلا الأمل بعودته ثانيةً.


× × ×


-
لاتفكّر بمن خلّفت وراءك ـ قال الخيميائي عندما بدءا مسيرتهما في الصحراء ـ كل شيء منقوش في النفس الكليّة وسيبقى فيها إلى الأبد.
قال الشاب الذي بدأ يألف صمت الصحراء من جديد:
-
الرجال لا يحلمون بالعودة أكثر مما يحلمون بالرحيل.
-
إن كان ماوجدته يتكوّن من المادة النقيّة فإنه لن يفسد مطلقاً، ولسوف تستطيع العودة إليه يوماً، وإن لم تكن إلا ومضة مؤقتة، كانفجار نجم، فإنك لن تجد شيئاً عند عودتك، ولكنك تكون قد رأيت ضوءاً يومض، وهذا وحده يستحق أن يُعاش.
كان الرجل يتحدّث بلغة الخيمياء، لكن رفيق دربه فهم بأنه يلمّح إلى فاطمة.
لقد كان من الصعب جداً عدم التفكير بمن خلف وراءه، فالصحراء ذات الشكل الواحد في كل مكان لاتتوقف عن الاكتناز بالأحلام، والشاب مازال يرى أشجار النخيل والآبار، ووجه محبوبته، كان يرى الانكليزي ومختبره، والجمّال الذي كان معلّماً وهو لا يعلم ذلك.
-
قد يكون الخيميائي لم يحب امرأة في حياته ـ قال لنفسه.
كان الخيميائي يسير في المقدّمة، وعلى كتفه الصقر، إنه يعرف لغة الصحراء، فعندما كانا يتوقفان كان الصقر يفارق كتف الخيميائي ويطير للبحث عن الغذاء، وقد أحضر في اليوم الأول أرنباً بريّاً وفي اليوم التالي طائرين.
في المساء مدَّا أغطيتهما على الأرض، لكنهما لم يشعلا النار. كانت ليالي الصحراء باردة، وظلمتها تشتد أكثر كلما أخذ القمر يفك تصالبه في القبة الزرقاء.
خلال أسبوع بكامله، تقدّما بصمت، لم يتحدّثا إلا عن الاحتراسات التي صارت حتمية لتلافي الوقوع في خضم المعارك الدائرة، فحرب العشائر كانت مستمرة، والريح كانت تحمل أحياناً رائحة الدماء النقيّة، فلعلّ معركة قد شبّت في هذه النواحي، والريح مازالت تذكر الشاب بلغة العلامات المستعدة دوماً أن تكشف له مالا تستطيع عيناه أن تراه.
في مساء اليوم السابع من السفر، قرر الخيميائي أن يخيّم في العراء، أبكر من المعتاد.
انطلق الصقر بحثاً عن طريدة، فتناول الخيميائي قربة من الماء وقدّمها إلى الشاب قائلاً:
-
ها أنت ذا ستصل قريباً إلى نهاية رحلتك، لقد تتبّعت أسطورتك الشخصيّة، وأنا أهنئك.
-
لكنك قدتني دون أن تقول كلمة، لقد ظننت أنك ستعلّمني علمك كلّه، فمنذ بعض الوقت ألفيت نفسي في الصحراء، بصحبة رجل كان بحوزته كتب في الخيمياء لكنني لم أستطع أن أتعلّم شيئاً.
أجاب الخيميائي:
-
ليس هناك إلا طريقة واحدة للتعلّم: " التعلّم بواسطة العمل "، إنه السفر من يعلّمك ماكنتَ بحاجة إلى معرفته، ولا ينقصك إلا شيء واحد.
أراد الشاب أن يعرف ماهو، لكن الخيميائي حافظ على نظره محدّقاً في الأفق يراقب عودة الصقر.
-
لماذا يدعونك بالخيميائي؟
-
لأنني كذلك.
-
وماهو الأمر الذي جعل الخيميائيين يخفقون في بحثهم عن الذهب؟
-
لقد اكتفوا بالبحث عن الذهب، فقد بحثوا عن أسطورتهم الشخصيّة دون رغبة بأن يعيشوا الأسطورة نفسها.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:23 am

- وما الذي مايزال ينقص معرفتي؟ ألحّ الشاب.
-
لكن الخيميائي ظل يحدّق في الأفق.
وبعد أن عاد الصقر بفريسته، حفرا حفرة، وأشعلا النار فيها حتى لا يتمكّن أحد من رؤية ضوء اللهب.
-
إنني خيميائي، لأنني خيميائي ـ أجاب بينما كانا يحضّران وجبتهما ـ وقد أخذتُ هذا العلم عن أسلافي الذين أخذوه عن أسلافهم، وهكذا على التوالي منذ خلق الكون، حيث كان من الممكن للإنجاز العظيم كلّه أن يكون مكتوباً على زمرّدة بسيطة. لكن البشر لم يعطوا أية أهمية للأشياء البسيطة وبدأوا بكتابة مؤلفات وترجمات ودراسات فلسفية، وادّعوا بأنهم قد عرفوا السبيل بشكل أفضل مما عرفه الآخرون.
سأل الشاب:
-
ما الذي كان مدوّناً على لوحة الزمرّد؟
بدأ عندها الخيميائي بالرسم على الرمل، ولم يستغرق معه هذا العمل أكثر من خمس دقائق.
وبينما كان يرسم فقد تذكّر الشاب الملك العجوز، والمكان الي ضمّهما في يوم غابر وقد بدا له ذلك مغرقاً في القدم.
قال الخيميائي:
-
هذا ماسُجّل على لوح الزمرّدة.
عندما انتهى، اقترب الشاب وقرأ الكلمات المكتوبة على الرمل.
-
إنها رموز ـ قال وقد خاب ظنّه قليلاً بلوح الزمرّد، وحسبها تلك التي كانت موجودة في كتب الإنكليزي,
أجاب الخيميائي:
-
لا إنه كطيران الصقرين. ولا ينبغي لهذا أن يفهم وذلك لسبب وحيد: هو أن لوح الزمرّد معبر مباشر يفضي إلى النفس الكليّة، ولقد فهم الحكماء أن هذا العالم الطبيعي ليس إلا صورة مشابهة او نسخة عن الجنّة، وطالما أن العالم موجود، فهذا وحده دليل كاف على أن هناك عالماً أكثر كمالاً منه، وقد خلقه الله كي يستطيع البشر إدراك تعاليمه الروحانية، ومعاجز حكمته، وهو ما أدعوه بالعمل.
-
هل يتوجب عليَّ أن أفهم لوح الزمرّد ـ سأل الشاب.
-
ربما، فلو كنت في مخبر خيميائي، لتسنّت لك دراسة أفضل الطرق لفهم لوح الزمرّد، لكنك في الصحراء، فخير لك أن تتوغل بها أكثر، فهي تفيد بفهم الكون أكثر من أي شيء آخر على سطح الأرض، حتى أنك لست بحاجة إلى فهم الصحراء، بل يكفي أن تتأمل حبة رمل بسيطة، لترى فيها عجائب الخلق كلّها.
-
كيف عليّ أن أتصرّف كي أوغل في رحم الصحراء؟
-
أصغِ إلى قلبك، إنه يعرف كل شيء، لأنه وُلد من النفس الكليّة، وإليها ذات يوم سيعود.


× × ×


سارا بصمت طيلة يومين، بدا الخيميائي محترساً أكثر، لأنهما كانا يقتربان من منطقة المعارك الأكثر ضراوة، بينما كان الشاب يجهد نفسه في سبيل الإصغاء إلى قلبه.
كان قلباً عصيّاً على الاستجابة، فمن قبل كان مستعداً دائماً للرحيل، أما الآن فهو يريد الوصول مهم كلّف الثمن.
لقد روى له قلبه مرّات عديدة قصصاً تلهب عنده الحنين إلى الوطن، وأحياناً كان قلبه يتأثر عن شروق الشمس في الصحراء، فيجعله يبكي ويبكي في الخفاء، لكنّه كان يخفق بسرعة عندما يحدّثه عن الكنز، وتتباطأ دقاته كلّما شردت عينا الفتى في أفق الصحراء اللامتناهي.
غير أنه لم يكن ليصمت أبداً حتى عندما لم يكن الشاب يتبادل أية كلمة مع الخيميائي.
-
لماذا علينا أن نصغي إلى قلوبنا ؟ ـ سأل في ذلك المساء بينما كانا يتوقفان في استراحة.
-
لأنه حيث يكون قلبك يكون كنزك.
قال الشاب:
-
قلبي مضطرب، إنه يحلم، يفكّر، وهو عاشق لفتاة من الصحراء، ويطالبني بأشياء تقضّ مضجعي عندما أفكّر بها.
-
هذا جيّد فقلبك حيّ، واظب على الاصغاء لما يقوله لك.
وخلال ثلاثة أيام متتالية، التقيا عدة مقاتلين، ولمحا آخرين أيضاً عند خط الأفق، بدأ قلب الشاب يتحدّث عن الخوف، روى قصصاً قد سمعها من النفس الكليّة، قصص عن رجال ارتحلوا بحثاً عن كنوزهم، لكنهم لم يجدوها على الإطلاق.
كان قلبه يخيفه أحياناً، من احتمال فكرة عدم توفقه في إدراك الكنز، أو احتمال موته في الصحراء، أو كان يقول له بأنه الآن راضٍ من فوزه بلقاء حبه واكتسابه العدد كبير من القطع الذهبيّة.
-
قلبي خائن ـ قال الشاب للخيميائي عندما توقفا لإراحة حصانيهما ـ إنه لا يريد لي أن أتابع طريقي.
أجاب الخيميائي:

-
هذا جيّد، فهذا برهان على أن قلبك يحيا، وإنه لشيء طبيعي أن تخاف مبادلة كل مانجحت في الحصول عليه من قبل مقابل حلم.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:24 am

- إذن لماذا عليّ أن أصغي إلى قلبي؟
-
لأنك لن تتوصل أبداً إلى إسكاته، حتى لو تظاهرت بعدم سماع ما يقوله لك، سيبقى هنا في صدرك، ولن ينقطع عن ترديد مايفكّر به حول الحياة والكون.
-
حتى وهو خائن.
-
الخيانة هي الضربة التي لاتتوقعها، وإن كنتَ تعرف قلبك جيّداً، فإنه لن يستطيع مباغتتك على حين غرّة، لأنك ستعرف أحلامه، ورغباته وستعرب كيف تتحسب لها، لا أحد يستطيع التنكّر لقلبه، ولهذا يكون من الأفضل سماع مايقول كي لايوجه لك ضربة لم تكن تتوقعها أبداً.
تابع الفتى الإصغاء إلى قلبه بينما كانا يتقدّمان في الصحراء، وقد توصّل إلى معرفة حيله ومناوراته، وانتهى إلى قبوله كما هو عليه، عندئذٍ أحجم عن الخوف، وعن الرغبة في العودة على أعقابه، لأن قلبه قال له ذات مساء أنه كان مسروراً: " حتى لو تذمرت قليلاً، فهذا لأنني قلب رجل وقلوب الرجال هي هكذا دوماً، إنهم يخافون تحقيق أعظم أحلامهم، لأنهم يظنون إنهم إما لا يستحقّون بلوغها، أو لا يستطيعون النجاح في بلوغها، فنحن القلوب نموت لمجرّد التفكير بحب توارى إلى الأبد، أو بلحظات وُئِدت، وكان من الممكن لها أن تكون رائعة، وبالكنوز التي لم يُقدّر لها أن تُكتشف وبقيت مطمورة في الرمال، وأخيراً عندما يحصل هذا فإننا نتعذّب بشكل رهيب ".
-
إن قلبي يخشى العذاب ـ قال الشاب للخيميائي في ليلة كانا يراقبان فيها السماء المظلمة.
-
قل له إن الخوف من العذاب أسوأ من العذاب نفسه، وليس هناك من قلب يتعذّب عندما يتبع أحلامه، لأن كل لحظة من البحث هي لحظة لقاء مع الله و الخلود.
-
كل لحظة في البحث هي لحظة لقاء ـ قال الشاب لقلبه ـ عندما كنت أبحث عن كنزي، فإن أيامي كلها كانت ساطعة، لأنني علمت أن كل ساعة تمر كانت جزءاً من حلم إيجاده، عندما كنت أبحث عن كنزي اكتشفت في طرقي أشياء لم أكن أحلم أبداً بمصادفتها لو لم أملك الشجاعة لمحاولة القيام بأشياء مستحيلة على الرعاة.
دبت الطمأنينة في قلبه طيلة مابعد ظهيرة ذلك اليوم، وفي الليل نام بهدوء، وعندما أفاق أخذ قلبه يقصّ عليه أشياء عن النفس الكليّة، قال إن كل رجل سعيد كان هو ذاك الذي اعتنق الله في داخله، وأنه يمكن للسعادة أن تكون موجودة في حبة رمل بسيطة في الصحراء على حد قول الخيميائي، لأن حبة الرمل هي لحظة من عملية الخلق، وأن الكون قد كرّس ملايين وملايين السنين في خلقها.
- "
لكل امرئ على الأرض كنزه الذي ينتظره ـ قال له قلبه ـ فنحن القلوب، نادراً مانتحدّث عنها، لأن البشر لايريدون العثور على هذه الكنوز، نحن لا نتحدّث عنها إلا للأطفال الصغار، وبعد ذلك ندع للحياة أن تتحمّل مسئولية قيادة كل واحد نحو قدره، ولسوء الحظ فإن قليلاً من البشر يتبعون الدرب الذي خطّته لهم الحياة، والذي هو سبيل الوصول إلى الأسطورة الشخصيّة وإلى السعادة.
جلّ الناس ينظرون إلى العالم كمصدر تهديد، ولهذا السبب فإن العالم يصبح في الواقع شيئاً مهدداً، عندئذٍ فإننا نحن القلوب نبادر إلى الحديث بصوت منخفض أكثر فأكثر لكننا لانصمت إطلاقاً، ونتمنّى بألا يكون كلامنا مسموعاً، نحن لانريد للبشر أن يتعذّبوا لأنهم لم يسلكوا الطريق التي أرشدناهم إليها ".
-
لماذا لاتقول القلوب للناس أن عليهم ملاحقة أحلامهم ؟ سأل الشاب الخيميائي.
-
لأن القلب هو من يتعذّب في هذه الحالة، والقلوب لاتحب العذاب.
منذ ذلك اليوم، أصغى الشاب إلى قلبه فطلب منه ألا يتخلّى عنه أبداً، وأن ينقبض في صدره عندما يكون بعيداً عن أحلامه وأن يعطيه إنذار الخطر، وأقسم أنه سيأخذ حذره في كل مرة يسمع فيها هذا الإنذار.
-
ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ سأل الشاب.
قال الخيميائي:
-
واصل السير باتجاه الأهرامات، وابق متيقظاً للعلامات، فقلبك الآن قادر أن يدلّك على مكان الكنز.
-
كان هذا إذن ما أجهله حتى الآن ؟!
-
لا، والشيء الذي ماتزال معرفتك تفتقر إليه هو التالي:
"
قبل تحقيق حلم ما، تريد النفس الكليّة أن تُقوّم كل ما اكتسبه المرء أثناء تجواله، وعندما تفعل، فليس ذلك نتيجة عدوانيّة تجاهنا، وإنما كي نستطيع وحلمنا اكتساب الدروس التي تعلمناها ونحن ماضون نحوها، إنها اللحظة التي يتراجع فيها معظم الناس، وهذا مانسميه بلغة الصحراء: الموت عطشاً عندما تكون أشجار النخيل على مرمى النظر في الأفق. إن أي بحث يبدأ بحظ المبتدئ، ويكتمل بامتحان الفاتح ".

تذكّر الشاب المثل الشعبي القديم والشائع في بلده الذي يقول:
"
أشدّ ساعات اليوم ظلمة هي تلك التي تسبق طلوع الشمس ".


× × ×


أولى إشارات الخطر الحقيقي بدت في الغد، فقد ظهر ثلاث محاربين، وسألوا المسارفين لدى اقترابهم منها، عمَّ كانا يفعلان هناك.
أجاب الخيميائي:
-
جئت لأصطاد مع صقري.
-
علينا أن نفتّشكما كي نرى إن كنتما لاتحملان أسحلة ـ قال أحد المقاتلين.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:24 am

نزل الخيميائي عن حصانه بكل هدوء، وصاحبه حذا حذوه.
-
لماذا كل هذا المال؟ سأل المقاتل لذى رؤيته كيس نقود الشاب.
-
للوصول حتى مصر.
الرجل الذي كان يفتّش الخيميائي وجد معه قارورة صغيرة من الزجاج مليئة بسائل، وبيضة من الزجاج صفراء اللون بحجم بيضة الدجاج تقريباً.
-
ماهذا؟ سأل.
-
إنه حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة، إنجاز الخيميائيين العظيم، من يشرب من هذا السائل لن يتعرّض للمرض أبداً، وإن كسرة صغيرة جداً من هذا الحجر تحوّل أي معدن إلى ذهب.
انفجر الرجال الثلاثة ضحكاً، وشاركهم الخيميائي بالضحك، فقد وجدوا الجواب مضحكاً، ثم سمحوا لهما بالذهاب مع كل مايملكانه دون أن يعرقلا مسيرتهما أكثر.
-
هل أنت مجنون ؟! ـ سأل الشاب، عندما صارا على مسافة منهم ـ لماذا أجبتَ هكذا؟
-
كي أظهر لك واحداً من قوانين العالم، قانوناً بسيطاً للغاية: " عندما تكون كنوزنا قريبة جداً منا، فإننا لا نلاحظها أبداً، أتعلم لماذا؟ لأن الناس لا يؤمنون بالكنوز ".
تابعا مسيرهما في الصحراء، وكلما كانت الأيام تمرّ كان قلب الشاب يميل أكثر فأكثر إلى الصمت. لم يكن ليهتم بأشياء الماضي أو المستقبل بل اكتفى بتأمل الصحراء والارتواء مع الشاب من النفس الكليّة. فقلبه وهو صارا صديقين حميمين غير قادرين بعد الآن على أن يخون أحدهما الآخر.
فعندما كان القلم يتكلّم، كان بقصد حث وتشجيع الشاب الذي كان يجد أيام الصمت الطويلة متعبة بشكل مقيت، وللمرة الأولى حدّثه قلبه عن مزاياه العظيمة: الشجاعة التي هوّنت عليه هجران أغنامه ليعيش أسطورته الشخصيّة، والحماس الذي أبداه في متجر الزجاجيّات.
أخبره بشي آخر لم يلاحظه الشاب من قبل: الأخطار التي كان يسير بمحاذاتها ولم يتبيّنها، ففي إحدى المرّات كان قد أخفى المسدس الذي اختلسه من أبيه، وأوشك فعلاً أن يصيب نفسه به، ذكّره في يوم كان قد تألّم فيه، وهو في وسط الريف: تقيأ، ثم نام زمناً لابأس به، بينما كان هناك اثنان من قطّاع الطرق على مسافة منه، وكانا قد عزما على سرقة أغنامه واغتياله، وعندما لم يأت فقد رحلا ظناً منهما بأنه غيّر خط سيره.
سأل الشاب الخيميائي:
-
هل القلوب تكون عوناً للناس دائماً؟
-
إنها تساعد فقط الذين يعيشون أسطورتهم الشخصيّة، لكنها تساعد كثيراً الأطفال، والسكّيرين والمسنّين.
-
هل هذا يعني أن الخطر لاوجود له؟
-
هذا يعني بكل بساطة أن القلوب تعمل كل مابوسعها ـ أجاب الخيميائي.
مرّا ذات مساء على مضرب خيام لإحدى العشائر المتحاربة، حيث كان هناك الكثير من الأعراب بزيّهم الرائع، وأسلحتهم الجاهزة، كان الرجال يدخّنون النرجيلة ويثرثرون، متحدّثين عن الحروب، لكن أحداً لم يعر اهتماماً للمسافرين.
-
لايوجد أي خطر ـ قال الشاب بعد أن ابتعدا.
غضب الخيميائي قائلاً:
-
ثق بقلبك، ولاتنسَ أبداً أنك في الصحراء، فعندما يتحارب الناس فإن النفس الكليّة هي أيضاً تسمع صيحات القتال، ولا أحد في منجى مما يمكن أن يحصل تحت السماء.
-
كل شيء هو شيء واحد وفريد ـ قال الشاب في نفسه.
وفجأة ظهر فارسان وراء المسافرين، فكأن الصحراء كانت تريد أن تثبت حكمة الخيميائي الشيخ.
قال أحدهما:
-
لن تستطيعا المضي بعيداً، فأنتما في منطقة المعارك.
-
أنا لستُ بذاهب إلى أبعد من ذلك.

قال الخيميائي وهو ينظر في عيون المحاربين اللذين لم ينبسا ببنت شفة للحظات، ثم أذنا لهما بمتابعة المسير، كان الشاب قد عاين الموقف وهو مفتون.
-
لقد قهرتهما بنظرتك ـ قال.
أجاب الخيميائي:
-
العيون تظهر قوّة الروح.
-
كان هذا صحيحاً ـ حدّث الشاب نفسه ـ فقد تذكّر أن مقاتلاً في جمهرة محاربي المخيّم قد حدّق بالخيميائي وبه، علماً بأنه كان بعيداً، بشكل لا يمكن للمرء أن يميّز ملامحه، لكنه كان متأكداً من مراقبته لهما.
أخيراً، وبينما كانا يتأهّبان لاجتياز سلسة جبلية كانت تمتج على طول الأفق، قال الخيميائي بأنهما صارا على مسافة يومين، حتى يصلا إلى الأهرامات.
-
إن كان ينغي علينا أن نفترق عما قريب، فأرجو أن تعلّمني الخيمياء ـ قال الشاب.
-
أنت تعرف مسبقاً مايجب عليك معرفته، ليس عليك إلا أن تنفذ داخل النفس الكليّة، وأن تكتشف الكنز، الذي تدّخره لكل واحد منا.
-
ليس هذا ما أريد معرفته، إنني أتكلّم عن تحويل الرصاص إلى ذهب.
احترم الخيميائي صمت الصحراء، ولم يجب إلا في اللحظة التي توقفا فيها كي يأكلا:
-
كل شيء يتطوّر في الكون، وبالنسبة للذين يعلمون، فإن الذهب هو أكثر المعادة تطوّراً، لاتسألني لماذا، فأنا أجهل ذلك، أنا أعلم فقط أن ما تعلمه التقاليد هو دائماً صحيح، لكن البشر هم الذين أخطئوا في تفسير كلام الحكماء، وبدل أن يكون الذهب رمزاً للتطوّر فقد صار علامة 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:24 am

للحرب.
-
الأشياء تتحدّث بلغات عديدة، فقد لاحظت أن رغاء الجمل، لم يكن إلا مجرّد رغاء، ثم تحوّل إلى إشارة تنذر بالخطر، ثم عاد أخيراً مجرّد رغاء ـ أراد الشاب أن يقوله لكنّه صمت، فلا شك أن الخيميائي يعرف هذا كلّه.
-
عرفت خيميائيين حقيقين ـ أردف الخيميائي ـ كانوا ينزوون في مختبراتهم، وكانوا يحاولون التطوّر كالذهب، وقد اكتشفوا حجر الفلاسفة، هذا لأنهم قد أدركوا أنه عندما يتطوّر شيء ما فإن كل ماحوله يتطوّر أيضاً، وآخرون نجحوا مصادفة باكتشاف الحجر، فهم كانوا من الموهوبين، وأرواحهم كانت متيقظة أكثر من أرواح الآخرين، لكن هؤلاء لم يُؤخذوا بالحسبان لأنهم قلة، وأخيراً هناك آخرون كانوا يبحثون عن الذهب فقط، وهؤلاء لم يتوصلوا إلى السر أبداً، فقد غرب عن بالهم أن الرصاص والحديد والنحاس، هم أيضاً لهم أسطورتهم الشخصيّة التي يجم اتمامها، وأن من يدخل ويندمج في أسطورة الآخرين، فإنه لن يجد على الإطلاق اسطورته الخاصة.
كلمات الخيميائي كان لها وقع اللعنة في نفسه.
انحنى الخيميائي والتقط قوقعة من الأرض وقال:
-
لقد كانت هذه الأرض بحراً من قبل.
-
لقد سبق ولاحظتُ ذلك ـ ردّد الشاب.
طلب منه الخيميائي أن يضع القوقعة على أذنه، فهو قد قام بهذه الحركة كثيراً عندما كان طفلاً، وقد سمع منها صوت البحر. فالبحر يقبع دائماً في هذه الصدفة، لأنها أسطورته الشخصية، ولن يفارقها إلى أن تعود البحار وتغمر الصحراء ثانية.
إثر ذلك امتطيا حصانيهما، وأخذا وجهة أهرامات مصر.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما أحسّ الفتى بأن قلبه يعطي إشارة خطر ما، كانا قد أُحيطا بكثبان رميلة هائلة، والشاب نظر إلى الخيميائي، الذي يبدو أنه لم يلاحظ شيئاً، وبعد خمس دقائق لمحا أمامهما مباشرة فارسين، كان خيالاهما يبدوان واضحين من جهة الغرب، وقبل أن يتمكّن من أن يقول للخيميائي أي شيء، فإن عدد الفرسان قد تزايد، بدل الاثنين صار هناك عشرة، ثم مائة. وأخيراً غطّى عدد هائل منطقة الكثبان بكاملها.
كانوا محاربين يرتدون ثياباً زرقاء، ويضعون عقالات سوداء حول العمامات، وجوههم ملثّمة بألثمة زرقاء لا يظهر منها إلا فسحة صغيرة، إنها عيونهم. وعلى الرغم من بعد المسافة، كانت العيون تبدي قوة الروح وتنطق بالموت.

× × ×

اقتيد المسافران حتى المعسكر الحربي الذي كان في الجوار، ودفع أحد المحاربين الخيميائي وصاحبه داخل خيمة مختلفة تماماً عن خيام الواحة التي عرفاها، كان هناك قائد حربي محاط 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:24 am

بأركانه.
-
إنهما الجاسوسان ـ قال أحد الرجال.
-
نحن لسنا إلا مسافرين ـ أجاب الخيميائي.
-
لقد رأيناكما في المعسكر المعادي منذ ثلاثة أيام، وقد تكلّمتما مع أحد المقاتلين.
-
أنا رجل أسير في الصحراء، ولي خبرة بالنجوم ـ قال الخيميائي ـ وليس لدي أية معلومة عن الجيوش، أو عن تحرّكات القبائل، كنت أرشد صاحبي إلى هنا فقط.
-
من هو صديقك؟ سأل الشيخ.
-
إنه خيميائي ـ قال الخيميائي ـ إنه يعرف قدرات الطبيعة، ويرغب أن يطلع القائد على قدراته الخارقة.
كان الشاب يصغي وهو خائف.
-
ماذا يفعل غريب في أرضٍ غريبة؟ سأل وحد من الرجال.
-
لقد حملت مالاً لأقدّمه لعشيرتكم ـ تدخّل الخيميائي قبل أن ينطق الشاب بأية كلمة، ثم أخذ كيس المال من الشاب، وأعطى القطع الذهبية لكبير القوم الذي تناولها دون أن يقول شيئاً، ففيها مايكفي لشراء كمٍّ كبير من الأسلحة.
-
من هو الخيميائي؟ سأل العربي أخيراً.
-
إنه رجل يعرف الطبيعة والكون، ولو أراد لاستطاع تهديم هذا المخيّم مستعملاً في ذلك قوّة الريح فقط.
ضحك الرجال، فقد كانوا قد تمرّسوا على قسوة الحرب، وكانوا يعلمون أن الريح لا تستطيع أن توجه ضربة قاضية. ومع ذلك شعر كل واحد منهم بقلبه ينقيض في صدره، فهم من رجال الصحراء ويخافون من السحرة.
-
بودي أن أرى شيئاً من هذا ـ قال الزعيم.
-
يلزمنا لذلك ثلاثة أيام ـ أجاب الخيميائي ـ وهذا ليس إلا ليطلعكم على قدراته الخاصة، فإن لم ينجح، نقدّم لكم بكل تواضع حياتنا إكراماً لشرف العشيرة.
-
لاتستطيع أن تهدي إليّ ماهو ملكي مسبقاً ـ أعلن الشيخ بتعجرف، لكنه منح مهلة ثلاثة أيام للمسافرين.
كان الشاب الذعور عاجزاً عن القيام بأية حركة، فانبغى على الخيميائي سحبه من ذراعه كي يساعده على الخروج من الخيمة.
-
لاتظهر لهم أنك خائف، فهم رجالٌ بواسل ويحتقرون الجبناء.
كان الفتى كالمبكوم، ولم يستعد صوته إلا بعد فترة من الزمن بينما كانا يمشيان وسط المخيّم. لم يكن هناك داع لسجنهما، فالأعربا بكل بساطة قد اكتفوا بانتزاع حصانيهما، وهاهي مرة أخرى يفصح فيها العالم عن لغات لاتحصى: فالصحراء التي كانت حتى الآن فضاءً رحباً، لاحدود له، قد 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:24 am

تحوّلت إلى سور يتعذّر عبوره.

-
لقد أعطيتهم كنزي كله ـ قال الشاب ـ كل ماستطعت أن أجنيه خلال حياتي كلها !
-
وبماذا يفيدك المال إن كنت ستموت؟ مالك أنقذك من الموت لثلائة أيام، وليس غالباً أن يفيد المال في تأخير الأجل.
أما الشاب فقد كان مذعوراً جداً كي يستطيع سماع كلام الحكمة، فهو لايعرف كيف ينقلب إلى ريح، فهو لم يكن خيميائياً.
طلب الخيميائي الشاي من أحد المحاربين، وسكب بعضاً منه على رسغي الشاب، فانتشرب موجة من السكون في أعماقه، بينما كان الخيميائي يلفظ بعض الكلمات التي لم يوفّق الفتى بفهمها.
لاتستسلم لليأس ـ قال الخيميائي بصوت عذب للغاية ـ فإن هذا يمنعك من التحادث مع قلبك.
-
لكنني لا أعرف أن أحوّل نفسي إلى ريح.
من يعيش أسطورته الشخصيّة، يعرف كل ماهو بحاجة لمعرفته، وليس هناك إلا شيء واحد يمكن أن يجعل الحلم مستحيلاً: إنه الخوف من الإخفاق.
-
أنا لستُ خائفاً من الإخفاق، وكل مافي الأمر أنني لا أعرف أن أتحوّل إلى ريخ.
-
حسنٌ، عليك أن تتعلّم ! حياتك معلّقة بذلك.
-
وإن لم أتوصل إلى ذلك.
-
ستموت فداءً لنضالك في سبيل أسطورتك الشخصيّة، وهذه ميتى أثمن بكثير من ميتة هؤلاء الذين قضوا دون أن يعلموا شيئاً من وجود أسطورة شخصيّة، لكن لا تقلق، بشكل عام، فإن الموت يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقّظاً للحياة.
مضى اليوم الأول، وجرت خلاله معركة حامية في الجوار، ونُقل إلى المعكسر عدد كبير من الجرحى.

-
لاشيء يتغيّر بالموت ـ فكّر الشاب ، فالمقاتلون الذين ماتوا، سيستعاض عنهم بآخرين والحياة تستمر.
-
كان من الممكن لك أن تموت فيما بعد يا صديقي ـ قال أحدهم مخاطباً جثة أحد رفاقة ـ كان من الممكن أن تموت حين حلول السلام، فهي ميتة واحدة، ومهما يكن من أمر فإنك ستموت في النهاية.
عند المساء ذهب الشاء يلتقي الخيميائي الذي كان يصطحب الصقر معه في الصحراء وكرّر:
-
لا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
-
تذكّر ماقلته لك: " العالم ليس إلا الجزء المرئي من الله، والخيمياء هي نقل للكمال الروحي إلى العالم المادي " .


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:25 am

- ماذا تفعل؟
-
أطعم صقري.
-
إن لم أنجح في التحوّل إلى ريح، ستموت، فما الحاجة إلى إطعام الصقر؟
-
أنت ستموت ـ أجاب الخيميائي ـ أما أنا، أنا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
في اليوم الثاني تسلّق الشاب ذروة صخرة تقع على مقربة من المعسكر، وقد تركه الخفراء يمر، كانوا يتحدّثون عن ساحر يتحوّل إلى ريح، ولم يكونوا يودون الاقتراب منه، بالاضافة إلى ذلك فإن الصحراء كانت تشكّل سوراً يتعذّر عبوره.
قضى بقيّة ظهيرة اليوم الثاني في تأمّل الصحراء، أصغى إلى قلبه، وأصغت الصحراء إلى الخوف الذي يتملّكه.
كلاهما كان يتكلّم اللغة نفسها.
في اليوم الثالث جمع الزعيم أعوانه الرئيسيين.
-
هيا بنا نرَ ذلك الولد الذي يتحوّل إلى ريح ـ قال للخيميائي.
-
هيا بنا ـ أجاب الخيميائي.
قادهم الشاب إلى المكان الذي كان قد جاء إليه يوم أمس، ثم طلب من الجميع أن يجلسوا.
-
إن هذا سيتطلّب قليلاً من الوقت ـ قال الخيميائي.
-
لسنا مستعجلين ـ أجاب الزعيم ـ فنحن من رجال الصحراء.
أخذ الشاب يتأمل الأفق قبالته، جبال كانت تبدو من بعيد، كثبان رميلة، صخور، ونباتات زاحفة تتشبّث بالحياة، هناك حيث البقاء شبه مستحيل. وحيث كانت تجثم الصحراء التي جابها طيلة شهور وشهور، ولم يكن يعرف منها على الرغم من ذلك إلا جزءاً يسيراً. في ذلك الجزء كان قد التقى إنكليزياً، وقوافل، ونزاعات بين العشائر، وواحة ذات خمسين ألف شجرة نخيل، وثلاثمائة بئراً.
-
ماذا تريد مني اليوم ـ سألت الصحراء ـ ألم نتأمّل بعضنا بعضاً كفاية يوم البارحة؟
-
أنتِ تحتفظين في مكانٍ ما بتلك التي أحبها، وعندما أتأمل مساحتك الرملية الشاسعة فأنا أتأملها هي أيضاً، أريد الرجوع إليها، وأحتاج إلى مساعدتك كي أتحوّل إلى ريخ
-
ماهو الحب؟ سألت الصحراء.
-
الحب هو عندما يحلّث الصقر فوق رمالك، لأنك بالنسبة له ريف أخضر، لم يعد منه قط دون فريسة، وهو يعرف صخورك، كثبانك، جبالك، وأنتِ كريمة معه.
قالت الصحراء:
-
إن منقار الصقر ينتزع مني قطعاً، هذه الفريسة قد غذّيتها طيلة أعوام، رويتها بالقليل من الماء الذي أملكه، وأرشدها إلى المكان الذي تجد فيه قوّتها، ويوم كبرت وأوشكت أشعر بها تحبو على رمالي، هاهو الصقر ينتفض من السماء ليختطف ما كنتُ جعلته ينمو ويكبر.
-
ماكنت فعلته لهذه الطريه من إطعام ورعاية كان لهذه الغاية بالذات ـ أجاب الشاب ، لتطعم الصقر، والصقر سيطعم الإنسان، والإنسان سيطعم رمالك يوماً ما، ومنها ستولد الطريدة من جديد، وهكذا يسير العالم.
-
هل هذا هو الحب؟
-
هو ذا نعم، هو من يجعل الفريسة تتحوّل إلى صقر، والصقر إلى إنسان، والإنسان إلى تراب، هو من جعل الرصاص يتحوّل إلى ذهب، ويجعل الذهب يعود ليختبئ في بطن الأرض.
-
لم أفهم كلامك ـ قالت الصحراء.
-
إذن افهمي على الأقل، أن في بقعة ما وسط رمالك هناك امرأة تنتظرني، ولكي أستجيب إلى انتظارها عليَّ أن أتحوّل إلى ريح.
-
أقدّم لك رمالي كي تستطيع الريح أن تهب، لكن بمفردي لا أستطيع شيئاً، أطلب مساعدة الريح.
نسمة خفيفة أخذت تهب، وزعماء الحرب كانوا يرقبون من بعيد الشاب الذي كان يتكلّم لغة مجهولة بالنسبة لهم.
الخيميائي كان يبتسم.
وصلت الريح إلى الشاب، وداعبت وجهه، كانت قد سمعت حديثه مع الصحراء، لأن الرياح تعرف دائماً كل شيء، فهي تطوف العالم دون أن يكون لها موقع تولد فيه، أو موقع تموت فيه.
-
ساعديني ـ قال الشاب ـ فأنا قد سمعت فيك صوت حبيبتي ذات يوم.
-
من علّمك التكلّم بلغة الصحراء والريح؟
-
قلبي ـ أجاب الشاب.
الريح كانت تحمل عدة أسماء فهي تدعى هنا بالسيروكو أو السموم، العرب كانوا يعتقدون بأنها كانت تأتي من الأراضي ذات المياه الغزيرة والمأهولة بسكان سود، وفي البلد البعيد الذي قدم منه الشاب كانت تسمّى بالشرقيّة لأن الناس كانوا يظنّون بأنها تحمل الرمل وصيحات العرب القتالية، وربما في مكان آخر بعيد عن الحقول التي ترتعي فيها القطعان، يعتقد الناس فيه بأنها تنشأ في الأندلس.
لكنها لاتولد من جهة، ولاتنتهي إلى جهة، لذلك فهي أقوى من الصحراء، فمن الممكن يوماً أن تنغرس الأشجار في الصحراء، وحتى أن نربّي فيها الأغنام، لكننا لانستطيع إطلاقاً أن نتحكّم بالريح أو نقهرها.
-
أنت لاتستطيع أن تكون ريحاً فطبيعتانا مختلفتان ـ قالت الريح للشاب.
-
هذا ليس صحيحاً، فأنا قد تعلّمت أسرار الخيمياء، بينما كنت أجوب العالم معك، فأنا أملك في داخلي الرياح، والصحاري، والمحيطات، والنجوم، وكل ماخُلق في الكون، وكلّنا خلقتنا يد واحدة، ولنا الروح نفسها، أريد أن أكون مثلكِ أخترق كل مكان، أعبر البحار، أنتزع الرمل الذي يغطّي كنزي، وأقرّب صوت حبيبتي مني.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:25 am

- لقد سمعت محادثتك مع الخيميائي، في ذلك اليوم، كان يقول أن لكل شيء أسطورته الشخصيّة، والبشر لا يمكن لهم أن يتحوّلوا إلى ريح.
طلب الشاب:
-
علّميني أن أكون ريحاً لبضع لحظات، كي نستطيع التحدّث سويّة عن الامكانات غير المحدودة للرياح والبشر.
كانت الرياح فضولية وكان هناك شيء ما لم تكن تعرفه، علماً بأنها كانت تعرفه الكثير من الأشياء، كانت تستطيع إنشاء صحراء، إغراق مراكب، إبادة غابات بأسرها، وأن تتجوّل في مدن تعج بالموسيقى وأنواع غريبة من الضوضاء. كانت تؤمن بقدراتها اللامحدودة، وهاهي الآن أمام شاب يؤكد أن بإمكان الريح أن تقوم بأشياء أخرى.
-
هذا مايسمّونه الحب ـ قال الشاب لدى رؤيته أن الريح قد أوشكت أن تستجيب لطلبه ـ وعندما نحب، نستطيع أن نكون شيئاً من الخليقة، ولسنا بحاجة لفهم مايجري، لأن كل شيء إنما يجري في داخلنا، وإن الناس يستطيعون أن يتحولوا إلى ريح بشرط أن تساعدهم الريح طبعاً.
كانت الريح متعالية، وماقاله الشاب أثار سخطها، فراحت تعصب بقوّة كبيرة، مذرية رمال الصحراء، لكن عليها أن تعترف أنها وبعد كل هذا التطواف في العالم بأسره، فهي مازالت تجهل تحويل رجل إلى ريح، وانها لم تكن تعرف الحب.
قالت الريح:
-
خلال جولاتي عبر العالم لاحظت، الكثير من الناس يتحدّثون عن الحب، وهم ينظرون إلى السماء ساخطين لأن عليهم أن يسلّموا بحدودها، ربما من الأفضل لك أن تستعيد بالسماء.
أجاب الشاب:
-
إذن ساعديني، وغطي هذا المكان بالغبار، كي أستطيع النظر في الشمس دون أن أصاب بالعمى.
عصفت الريح بشكل أقوى، فاكتسحت الرمال وجه السماء حتى بدت السماء مجرّد قرص ذهبي.
في المعسكر، صار من الصعب تمييز أي كان، فرجال الصحراء خبروا جيّداً هذه الريح، ريح السموم، كانت أسوأ من عاصفة البحر، لكنهم لا يعرفون البحر، وأخذت الخيول تصهل، والأسلحة تغطّت بالرمال.
على الصخرة التفت رجل من أعيان الحرب نحو الزعيم وقال:
-
ربما سيكون من الأقضل التوقف عند هذا الحد.
كانوا يميّزون بصعوبة الشاب، كانت وجوهم ملثّمة، ونظراتهم يبدو فيها القلق والذعر.
-
لننهِ الأمر ـ ألحّ رجل أعيان حرب آخر.
-
أريد أن أرى عظمة الله، قال الزعيم بصوت فيه كل الخشوع ـ أريد أن أرى تحوّل رجل إلى ريح.
لكنه سجّل في ذهنه اسمي هذين الرجلين الخانثين، وبمجرّد أن تهدأ الريح، سيخلعهما من 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:25 am

مهامهما فليس من حق رجال الصحراء أن يخافوا.
قال الشاب للشمس:

-
أخبرتني الريح بأنك تعرفين الحب، وإن كنت تعرفين الحب فلابد أنك تعرفين النفس الكليّة التي خُلقت من الحب.
اجابت الشمس:
-
من مكاني هذا أستطيع رؤية النفس الكليّة، فهي على اتصال مع روحي، ومع تعاوننا نحن الإثنين تنمو النباتات، وتندفع الأغنام التي تبحث عن الظل، ومن حيث أنا استطعت أن أحب، قدرتُ أن أحب من مكاني هذا، واعلم أنني لو اقتربت قليلاً من الأرض لأنقرض كل ماعليها، ولتوقّفت النفس الكليّة عن الوجود، وهكذا فنحن الإثنين نتبادل النظر ونحب بعضنا بعضاً، فأنا أمدّها بالحياة والحرارة، وهي تعطيني سبب البقاء.
كرّر الشاب:
-
أنتِ تعرفين الحب؟
تابعت الشمس:
-
إنني أعرف النفس الكليّة، لأن بيننا أحاديث لاتنتهي أثناء سفرنا الأبدي في هذا الكون، لقد حدّثتني بأن أفدح مشكلاتها حتى الآن هو أن المعادن والنباتات وحدها فقط، قد أدركت أن كل شيء هو واحد وفريد، لهذا فإنه ليس من الضروري أن يكون الحديد مشابهاً للنحاس، والنحاس مشابهاً للذهب، فكل يشغل وظيفته الدقيقة في هذا الشيء الأوحد، وسوف يكون من الكل سيمفونية السلام، لو أن اليد التي كتبت كل هذا توقفت في اليوم الخامس، لكن كان هناك يوم سادس.

قال الشاب:
-
أنتِ عالمة لأنكِ ترين كل شيء عن بعد، لكنكِ لا تعرفين الحب، لو لم يكن هناك اليوم السادس، لما وُجد الإنسان، ولكان النحاس نحاساً، والرصاص رصاصاً. لكل أسطورته الشخصيّة ـ هذا صحيح ـ لكن هذه الأسطورة ستكتمل ذات يوم، فيجب التحوّل إلى ماهو أرقى، إلى أسطورة شخصيّة جديدة، إلى أن تصبح النفس الكليّة حقاً شيئاً واحداً وفريداً.
ظلّت الشمس حالمة، ثم أخذت تلمع لمعاناً عجيباً، والريح التي كانت معجبة بهذه المحادثة عصفت بقوة أيضاً كي لاتذهب الشمس ببصر الشاب.
-
لهذا وُجدت الخيمياء ـ قال هذا الأخير ـ كي يبحث كل انسان عن كنزه ويجده، ويسعى أن يعيش فيما بعد أفضل مما كان عليه، والرصاص سيقوم بدوره إلى أن يصبح العالم بغنى عنه، عندئذٍ ينبغي عليه أن يتحوّل إلى ذهب.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:25 am

الخيميائيون يتوصّلون إلى تحقيق هذا التحوّل، ويبيّنون لنا أنه عندما نسعى لأن نكون أفضل مما نحن عليه، فإن كل شيء حولنا يتحسّن.
سألت الشمس:
-
ولماذا قلت أنني لا أعرف الحب؟
-
لأن الحب لا يستدعي الجمود كالصحراء، ولا تجواب العالم كالريح، ولا النظر في كل شيء من بعيد مثلك. الحب هو القوّة التي تحوّل وتصقل النفس الكليّة، فعندما دخلت عالمها للمرة الأولى، كنت أظنها كاملة، أما فيها بعد، فقد رأيت أنها كانت انعكاساً لكل ماخُلق وكانت لها نزعاتها وأهواؤها، نحن الذين نغذّي النفس الكليّة، أما الأرض التي نحيا عليها، فإنها ستصبح بأفضل أو أسوأ، بقدر مانكون نحن أفصل أو أسوأ، وهنا تتدخّل قوة الحب، لأننا عندما نحب فإننا لانريد دائماً أن نكون أفضل مما نحن عليه.
-
ماذا تنتظر مني؟ سألت الشمس
-
أن تساعديني كي أتحوّل إلى ريح.
-
الطبيعة تعرفني كأكبر عالمة بين كل المخلوقات، لكنني أجهل كيف أحوّلك إلى ريح.
-
إلى من أتوّجه إذن؟
-
صمتت الشمس لحظة، وكانت الريح تصغي وتستعد لتفشي في العالم بأسره محدودية علمها، فلم يكن بوسعها التهرّب من هذا الشاب الذي كان يتكلّم اللغة الكونية.
-
توجّه إلى اليد التي كتبت كل شيء ـ قالت الشمس أخيراً.
أطلقت الريح صرخة رضى، وهبّت بقوة لاعهد لها بها، اقتلعت الخيام المنتصبة في الصحراء، وتحررت الحيوانات من قيودها، وعلى الصخرة صار الناس يتشبّثون ببعضهم خوفاً من أن تحملهم الريح.
عندئذٍ التفت الشاب إلى اليد التي كتبت كل شيء، وبدل أن يقول أدنى كلمة، فقد أحس أن الكون كلّه مكث من حوله صامتاً، ومكث هو صامتاً أيضاً.
اندفاع من الحب انبثق من قلبه، وأخذ بالصلاة، صلاة لم يفعل مثلها من قبل، لأنها كانت صلاة من دون كلام، لم يطلب شيئاً من خلالها، لم يكن يشكر لأنه وجد مرعىً لأغنامه، لم يكن يبتهل لأنه باع المزيد من الزجاجيّات، لم يكن يطلب أن تنتظر المرأة التي التقاها عودته.
لكنه أدرك من خلال الصمت الذي خيّم، أن الصحراء والريح والشمس، كانت هي أيضاً تبحث عن العلامات، التي كانت تلك اليد قد خطّتها، وكانت تريد متابعة طريقها، وتدرك ماكان منقوشاً على زمرّدة بسيطة، كان يعلم أن هذه العلامات منتشرة على الأرض وفي الفضاء والتي ليس لوجودها أي مبرر من حيث الظاهر، أي معنى، بحيث أن لا الصحارى، ولا الريح ولا االشمس، ولا البشر في النهاية لم يكونوا ليعلموا لماذا خُلقوا، لكن تلك اليد كان لها سببها بالنسبة لكل هذا وهي وحدها القادرة، على صنع المعجزات، وتحويل المحيطات إلى صحاري، والبشر إلى ريح، لأنها 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:25 am

وحدها التي تفهم أن هناك هدفاً سامياً دفع الكون إلى النقطة التي تحوّلت فيها أيام الخلق الستة إلى إنجاز عظيم.
واندمج الشاب في النفس الكليّة، ورأى أن النفس الكليّة هي جزء من روح الإله، وأن روح الإله هي روحه الخاصة.
وأنه كان يستطيع منذ ذلك الوقت أن يحقق المعجزات. هبّت رياح السموم في ذلك اليوم على نحو لم يسبق له مثيل على الإطلاق، وعلى مدى أجيال فإن العرب كانوا يروون أسطورة شاب كان قد تحوّل إلى ريح، وكاد أن يزيل معسكراً متحدّياً بذلك بأس أهم زعيم حربي من زعماء الصحراء.
عندما توقفت ريح السموم عن العصف، حملقوا كلّهم باتجاه المكان الذي كان فيه الشاب الذي لم يعد هناك، بل كان في الجانب الآخر يراقب العاصفة.
كان الناس مذعورين من الشعوذة، وشخصان كانا يبتسمان آنذاك: الخيميائي لأنه وجد تلميذه الحقيقي، ثم الزعيم، لأن هذا التلميذ قد أدرك مجد الإله.
وفي الغد ودّع الزعيم الشاب والخيميائي، وسيّر معهما موكباً من الحرس ليرافقهما إلى المكان الذي يبغيان الذهاب إليه.

× × ×

مشيا نهاراً كاملاً، وعند هبوط المساء وصلا أمام دير قبطي، فطلب الخيميائي من مرافقيه العودة وترجَّل، ثم قال للشاب:
-
ستذهب منذ الآن بمفردك، لم يبق لك إلا ثلاث ساعات من السير كي تصل إلى الأهرامات.
أجاب الشاب:
-
شكراً، إنك علّمتني اللغة الكونية.
-
لم أعمل إلا على تذكيرك، بما كنت تعرفه مسبقاً.
قرع الخيميائي باب الدير، وجاء راهب يرتدي السواد ليفتح لهما الباب، تحادثا للحظات باللغة القبطية، ثم أدخل الخيميائي الشاب.
-
طلبتُ منه أن يسمح لي باستعمال المطبخ لبعض الوقت ـ قال الخيميائي.
ذهبا إلى مطبخ الدير، أشعل الخيميائي النار، وأحضر الراهب قليلاً من الرصاص الذي صهره الخيميائي في وعاء من الحديد، وعندما صار الرصاص سائلاً تناول من جعبته البيضة الصفراء الزجاجية الغريبة التي كانت بحوزته، وكشط عنها قشرة لتتجاوز سماكتها الشعرة، وغلّفها بالشمع، ورماها في الإناء الذي كان يحتوي على الرصاص المصهور، تلوّن المزيج بالأحمر القاني، عندئذٍ رفع الخيميائي الوعاء عن النار، وتركه يبرد، وبانتظار ذلك تجاذب أطراف الحديث مع الراهب الذي كان مساءً ـ فمنذ زمن طويل، قد شلّت حركة القوافل في الجيزة بانتظار نهاية النزاع.
-
لكنّها مشيئة الله.
-
آمين ـ أجاب الخيميائي.
عندما برد المستحضر، نظر الراهب والشاب بتعجّب، فالمعدن كان قد جفّ حول الجانب الداخل للإناء، لكنّه لم يعد من الرصاص وإنما أصبح من الذهب.
-
هل أستطيع أن أتعلّم مافعلته؟ سأل الشاب.
-
إنها أسطورتي الشخصيّة، وليست أسطورتك ـ أجاب الخيميائي ـ لكنني أردت أن أبيّن لك أن هذا ممكن.
عاودا إلى مدخل الدير، وهناك جزّأ الخيميائي القرص إلى أربع قطع متساوية.
-
هذه لكَ ـ قال وهو يقدّم واحداً من هذه الأجزاء إلى الراهب ـ لقاء كرمك تجاه الحجّاج.
-
هذا أكثر مما أستحق بكثير ـ أجاب الراهب.
-
لاتتكلّم هكذا، فإن الحياة تستطيع أن تسمعك، وتعطيك الأقل مرة أخرى.
ثم اقترب من الشاب:
-
هذا لك كي أعوّضك الذهب الذي سُلب منك، وبقي في حوزة الزعيم الحربي.
أوشك الشاب أن يقول أن هذا أكثر بكثير مما خسره، لكنه سمع ماقال الخيميائي للراهب، فأمسك عن الكلام.

-
أما هذه الحصة فهي لي ـ قال الخيميائي ـ لأنه ينبغي عليّ أن أعود من جديد مجتازاً الصحراء، والحرب مازالت مستمرّة بين العشائر.
تناول حينذاك القطعة الرابعة، وأعطاها للراهب أيضاً، هذا الجزء من أجل الشاب الموجود هنا في حال احتاج إليها.
أجاب الشاب:
-
لكنني ذاهب للبحث عن كنزي، وها أنذا صرت قريباً جداً منه الآن.
-
وأنا متأكد من أنك ستجده ـ قال الخيميائي.
-
إذن لماذا هذا الجزء الإضافي؟
-
ذلك لأنك فقدت المال الذي جنيته مرتين في غضون سفرك، مرة مع اللص، وأخرى مع الزعيم الحربي، وأنا عربي عجوز أعتقد بحكم وأمثال بلدي، وإليك واحداً منها: مايحصل مرة يمكن ألا يحصل ثانية أبداً، لكن مايحصل مرتين يحصل بالتأكيد مرة ثالثة.
ثم امتطيا فرسيهما.

أوّد أن أقصّ عليك قصّة عن الأحلام ـ قال الخيميائي.
قرّب الشاب حصانه منه.
- "
في روما القديمة، وفي عهد الإمبراطور تيباريوس، عاش رجل طيب، كان أبا لولدين، الأول 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:26 am

انخرط في الجيش، وأُرسل إلى أقصى أقاليم الإمبراطورية، والثاني كان شاعراً سحر روما بشعره، البديع.
ذات ليلة حلم الأب حلماً، فقد ظهر عليه ملاك ليقول له أن كلام واحد من أبنائه سيُعرف وسيُرَدّد في العالم بأسره، وعبر أجيال المستقبل كلّها. أفاق الرجل العجوز وهو يبكي من الفرح لأن الحياة أظهرت له سخاءها، وتجلّى له الوحي يبشّره بشيء يجعل من أي أب كان أباً فخوراً.
بعد زمن وجيز، مات الأب وهو يحاول إنقاذ طفل أوشك أن يُدهس تحت عجلات عربة، ولمّا كان عادلاً وطيّباً في سلوكه طيلة حياته، فقد صعدت روحه إلى السماء مباشرة، وهناك التقى الملاك الذي كان قد تراءى له في الحلم.
-
لقد كنتَ رجلاً طيّباً ـ قال له الملاك ـ عشتَ مُحاطاً بالحب، ومت بكرامة، أستطيع الآن أن أحقق لك واحدة من أمنياتك.
-
الحياة أيضاً كانت جميلة بالنسبة لي ـ أجاب العجوز ـ وعندما ظهرت لي في الحلم، قد فهمت أن في هذا مباركة لي، لأن أشعار ولدي ستبقى في ذاكرة الناس إلى الأبد، فأنا ليس لدي أيّ طلب من أجل نفسي، غير أن كل أب يعتزّ بمشاهدة من رعاه صغيراً وهذّبه يافعاً، ذائع الصيت، أتمنى أن تريني كلمات ابني في المستقبل البعيد.
ربّت الملاك على كتف العجوز، ومن ثم انقذفا معاً إلى مستقبل بعيد، فشاهدا أمامها ساحة مكتظّة بآلاف الناس الذين يتكلّمون بلغة غريبة.
بكى العجوز فرحاً، كنت اعلم ـ قال للملاك ـ أن أشعار ابني جميلة وخالدة، ألا تريد أن تقول لي أيّا من قصائده التي يرددها هؤلاء الآن؟
اقترب منه الملاك عندئذٍ، بكثير من اللباقة، وجلسا على أحد مقاعد تلك الساحة الفسيحة وقال له:
-
قصائد ابنك الشاعر، كانت شعبيّة جداً في روما، وكل الناس قد أحبوها، واستمتعوا بها، ولكن عندما انتهى حكم تيباريوس، فإنهم نسوها، الكلمات التي يردّدها هؤلاء الناس الآن هي كلمات ابنك الآخر، الجندي.
نظر العجوز للملاك بدهشة، وتابع الملاك:
-
ابنك ذهب للخدمة العسكرية في ولاية بعيدة، وصار قائد المائة (سانتوريون) لقد كان رجلاً طيّباً وعادلاً، ذات مساء مرض أحد خدمه وأشرف على الموت، وسمع ولدك برجل اسمه يسوع، كان يشفي المرضى، فقضى أياماً طوالا بالبحث عنه، أثناء تجواله، اكتشف أن من يبحث عنه هو ابن الإله، وقد التقى أشخاصاً آخرين، وقدّر لهم الشفاء على يديه.
فبدأ يتعلّم تعاليمه، ورغم أنه قائد مئة، فقد اعتنق دينه، أخيراً ذات صباح جاء إلى جوار يسوع، روى له أن أحد خدمه كان مريضاً وأبدى يسوع استعداده لمرافقته حتى بيته، لكن قائد المائة، كان رجلاً مؤمناً، فعندما نظر إلى يسوع بعمق، أيقن أنه كان بحق يقف أمام ابن الله، فقد كان الناس المحيطون به ينهضون إجلالاً له.
كانت هذه كلمات ابنك ـ قال الملاك للعجوز. الكلمات لم تكن لتُنسى إطلاقاً: " يارب لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة لاغير فيبرأ فتاي ".
حثّ الخيميائي حصانه على السير.
-
على أية حال، إن كل شخص على الأرض يلعب الدور الرئيس في سيرة العالم وهو لايدري.
ابتسم الشاب، لم يكن قد تصوّر إطلاقاً، أنه من الممكن للحياة أن تكون مهمّة جداً بالنسبة لراعٍ.
-
وداعاً ـ قال الخيميائي.
-
وداعاً ـ أجابه.

× × ×

مشى في الصحراء لمدة ساعتين ونصف الساعة، محاولاً الاصغاء بانتباه لحديث قلبه، فهو الذي سيكشف له المكان المخبأ فيه الكنز.
وتذكّر ماكان الخيميائي يقول: حيث يكون كنزك، يكون قلبك.
لكن قلبي كان يتحدّث عن أشياء أخرى، فقد كان يروي بكبرياء سيرة راعٍ ترك أغنامه من أجل اللحاق بحلم حلم به مرّتين، كان يتحدّث عن الأسطورة الشخصيّة، بالنسبة لكل الرجال الذين قد عملوا الشيء نفسه، ورحلوا بحثاُ عن أراضِ جديدة أو نساء حسناوات، متصدّين لرجال عصرهم، بما حملوا من أفكار وادّعاءات.
طيلة هذه المسافة، كان يتحدّث عن الاكتشافات، عن الكتب، عن الاضطرابات الكبيرة، وبينما كان يجهّز نفسه لتسلّق كثيّب رملي، سمع قلبه يهمس ـ انتبه جيّداً إلى المكان الذي ستبكي فيه، لأنه هو المكان الذي أوجد أنا فيه، وهو المكان الذي تجد كنزك فيه.
أخذ بتسلّق الكثيّب ببطء، كانت السماء مليئة بالنجوم، والبدر يضيئهما من جديد، كانا قد مشيا شهراً كاملاً في الصحراء، وهاهو القمر يضيء الكثيب، وأخذ سحر الظلال يعطي الصحراء هيئة البحر الهائج، كان يعود ويذكر الشاب باليوم الذي أرخى فيه لجام حصانه، وأعطى للخيميائي العلامة التي كان ينتظرها. كان ضوء القمر يغمر صمت الصحراء، وذلك السفر الطويل الذي يقوم به الرجال بحثاً عن الكنوز.
وعندما وصل بعد عدة دقائق إلى قمّة الكثيّب خفق قلبه في صدره: هاهي ذي أمامه تنتصب بعظمة وجلال أهرامات مصر، يضيئهما ضوء القمر.
جثا على ركبتيه وبكى، وشكر الله لأنه آمن بأسطورته الشخصيّة، وللقائه ذات يوم ملكاً وتاجراً وانكليزياً وخيميائياً، وفوق كل ذلك لقاؤه بامرأة من الصحراء جعلته يفهم أنه لايمكن للحب أبداً أن يبعد الانسان عن أسطورته الشخصيّة.
كانت الأهرامات بما مر عليها من أجيال تراقب من عليائها ذاك الذي عند أقدامها، لو أراد لكان 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روايات انسان
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 3434
تاريخ التسجيل : 10/02/2013

مُساهمةموضوع: رد: الخيميائي - كابيلو   الخميس يونيو 20, 2013 10:26 am

باستطاعته الآن العودة إلى الواحة، والزواج من فاطمة، والعيش كراعٍ بسيط للغنم، لأن الخيميائي كان يعيش في الصحراء، على الرغم من أنه يفهم لغة العالم، وعلى الرغم من انه خبر تحويل الرصاص إلى ذهب، ولم يكن بحاجة لأن يشرح لأحد علمه وفنّه. وبينما هو ذاهب لتحقيق أسطورته الشخصيّة، كان قد تعلّم كل ما كان بحاجة لمعرفته وعاش كل ما حلم أن يعيشه.
هاهو ذا قد توصّل إلى كنزه، والإنجاز لايتم إلا عند إدراك الهدف، هناك من على قمة الكثيّب بكى. نظر إلى الأرض فرأى في المكان الري سقطت فيه دموعه جعلاً يمشي، وقد تعلّم مما أمضاه في الصحراء أن الجعلان رمز للإله في مصر.
إنها علامة أيضاً، لذلك فقد بدأ يحفر، متذكّراً تاجر الزجاجيّات: حتى لو أمضى الانسان حياته كلّها في تكويم الأحجار، فإنه لن ينجح إطلاقاً في بناء هرم في حديقته.
حفر في المكان المحدد طيلة الليل، دون أن يجد شيئاً، ومن أعالي الأهرامات، كانت القرون الغابرة تتأمّله بصمت، لكنّه لم يتراجع، كان يحفر ويحفر دون توقف، مصارعاً الريح التي كانت تعيد أكثر من مرة الرمل إلى داخل الحفرة، وتعبت يداه وجُرحتا، لكنه استمر بالاعتقاد بقلبه، وقلبه قال له أن يحفر في المكان الذي ستسقط فيه دموعه.
فجأة، وبينما كان يحاول انتزاع بعض الأحجار التي كان قد كشف عنها في الصباح، سمع وقع خطى ... بضع رجال كانوا يقتربون، وبما أن القمر كان خلفهم فإنه لم يستطع رؤية عيونهم أو وجوههم.
-
ماذا تفعل هنا؟ سأل أحد القادمين.
لم يجب بشيء، لكنه خاف، فعليه أن ينبش كنزه من التراب ولهذا خاف.
-
نحن لاجئوا حرب ـ قال آخر ـ ونريد أن نعرف ما تخبئ هنا، فنحن بحاجة إلى المال.
-
أنا لم أخبئ شيئاً ـ أجاب الشاب.
لكن أحد الرجال أخذه من ذراعه، وجرّه خارج الحفرة، وأخذ آخر بتفتيشه.
ووجدوا قطعة الذهب التي كانت في إحدى جيوبه.
-
إنه يملك الذهب ـ قال أحد المهاجمين.
أضاءت أشعة القمر وجه ذلك الذي كان يفتّشه، وفي عينيه رأى حتفه.
-
لابد أن يكون لديه أيضاً من الذهب المخبأ في الأرض ـ قال آخر:
اجبروه على مواصلة الحفر، ولأنه لم يجد شيئاً فقد انهالوا عليه ضرباً. ضربوه زمناً طويلاً، حتى ظهور خيوط الشمس الأولى، ثيابه صار مزقاً وأحسّ بأن الموت صار قريباً.

-
مانفع المال، إن كان على المرء أن يموت؟ فإنه لمن النادر أن يستطيع المال إنقاء أحد من الموت ـ هكذا قال الخيميائي.
-
ابحث عن الكنز ـ قال أخيراً، وعلى الرغم من الجروح التي أدمت فمه المتوّرم إثر اللكمات التي تلقّاها، فقد روى لمهاجميه أنه كان قد حلم مرّتين بكنزٍ مطمور على مقربة من أهرامات مصر.
ذاك الذي يبجو عليه زعيمهم، بقي صامتاً لفترة، ثم توجّه إلى واحد من أتباعه.
-
نستطيع أن نتركه ينصرف، فليس معه شيء آخر، وهذا الذهب قد سرقه على الأرجح.
سقط الشاب منكبّاً على الأرض، وعينان اثنتان كانتا تبحثان عن عينيه، لقد كان زعيم العصابة، لكن الشاب كان ينظر صوب الأهرامات.
-
هيا بنا نذهب ! قال الزعيم لأصحابه ثم التفت نحو الشاب قائلاً :
-
لن تموت، سوف تعيش، وتعلم أنه ليس من حق المرء أن يكون غبيّاً بهذا القدر، فهنا بالضبط، وفي هذا المكان الذي أنت فيه الآن ومنذ عامين تقريباً، كنت قد حلمت بحلم تكرر، حلمتُ أنه كان ينبغي عليَّ الذهاب إلى إسبانيه، أبحث في الريف عن كنيسة صارت أطلالاً، حيث كان الرعاة يذهبون إليها غالباً مع أغنامهم، وحيث تنبت شجرة جميز في الموهف، وأنني لو حفرت عند أسفل شجرة الجميز، لوجدتُ كنزاً مخبّأ، لكنني لستُ غبيّاً للحد الذي يجعلني أجتاز الصحراء كلّها، فقط لأنني حلمت بالحلم نفسه مرّتين، ثم انصرف.

نهض الشاب بصعوبه، ونظر مرة أخرى إلى الأهرامات.
ابتسمت له الأهرامات، وابتسم لها هو بالمقابل، وقلبه مفعم بالفرح.
كان قد وجد كنزه !

× × ×

::
الخاتمة ::

كان يدعى سانتياغو
وصل إلى الكنيسة الصغيرة المهجورة، عندما كان الليل على وشك الهبوط.
كانت شجرة الجميز ماتزال في الموهف، وكان مايزال بالإمكان رؤية النجوم تلمع من خلال السقف المتهدّم، وتذكّر أنه جاء ذات مّرة إلى هناك مع أغنامه، وكان قد أمضى ليلة هادئة باستثناء الحلم الذي رآه.
إنه هناك الآن بلا قطيعه لكن كان معه مجرفة.
بقي وقتاً طويلاً يتأمّل السماء، ثم تناول من جعبته زجاجة من الخمر، وفجأة تذكّر تلك الليلة في الصحراء، والتي شاهد فيها النجوم وشرب الخمر أيضاً مع الخيميائي، لقد تذكّر كل الدروب التي سلكها، والطريقة الغريبة التي أظهر الله بها كنزه، ولو أنه لم يكن يؤمن بالأحلام التي كانت تتكرّر، لما كان قد التقى الغجريّة ولا الملك العجوز ولا اللص لا ... القائمة طويلة جداً، هذا صحيح، لكن الدرب كانت مرسومة بالعلامات، ولم يكن هناك سبب لأضلّ الطريق ـ قال في نفسه.
نام دون أن يعرف كيف نام، وعندما أفاق كانت الشمس في أوج إشراقها، عندها أخذ يحفر عند أسفل شجرة الجميز.
-
أيها الساحر العجوز ـ حدّث نفسه ـ كيف تحيط علماً بكل شيء، حتى أنك كنت قد تركت لي قليلاً من الذهب كي أستطيع العودة حتى هذه الكنيسة. لقد ضحك الراهب كثيراً عندما رآني أعود بثوب رث ممزّق، ألم يكن بإمكانك أن توفّر علي كل هذا العناء؟
سمع الريح تجيبه:
-
لا، فلو كنت قد قلت لك ذلك لما كنت رأيت الأهرامات، فهي جميلة جداً، ألم تجدها كذلك؟
كان هذا هو صوت الخيميائي، ابتسم ثم أخذ يحفر، وبعد انقضاء نصف ساعة، اصطدمت المجرفة بشيء قاس، وبعد ساعة كان هناك أمامه صندوق مليء بقطع الذهب الأسبانيّة القديمة، كان فيها أيضاً أحجار كريمة، وأقنعة ذهبيّة مزيّنة بريش أحمر وأبيض، وتماثيل مرصّعة بالألماس، إنها مخلّفات فتح كانت البلاد قد نسيتها منذ زمن بعيد، وكان الفاتح قد نسي أن يذكرها إلى أحفاده.
سحب من جعبته أوريم وتوميم، فهو لم يكن قد استخدم هاتين الحجرين إلا مرة واحدة ذات صباح في السوق الأسبوعي.
الحياة ودربه كانتا محفوفتين دائماً بالعلامات.
وضع أوريم وتوميم في صندوق الذهب، فهاتان الحجران تمثّلان هنا أيضاً جزءاً من كنزه، فربّما تذكّرانه بذلك الملك العجوز الذي لن يلتقيه بعد الآن أبداً.
-
في الحقيقة إن الحياة كريمة مع من يعيش أسطورته الشخصيّة ـ قال في سرّه.
وتذكّر عندئذٍ بأن عليه الذهاب إلى مدينة طريفه، ليعطي العشر من كل هذا للغجريّة.
-
كم الغجر خبثاء ! قال لنفسه ـ ربّما لأنهم يرتحلون كثيراً.
لكن الريح أخذت تعصف، إنها الريح الشرقيّة القادمة من إفريقية، فهي لم تكن تحمل رائحة الصحراء، ولاخطر غزو عربي.
وعِوضاً عن ذلك، كانت تحمله رائحة عطر يعرفه جيّداً، وهفيف قبلة وصلت برفق، وبكل رفق، لتستقرّ على شفتيه.

ابتسم، تلك كانت المرّة الأولى التي تفعل بها هذا، وصاح قائلاً:
-
ها أنذا يا فاطمة، إني قادم.

*
تمـــت *



-
شكر كبير لـ متشرد ورق , صاحب الفضل كاملاً

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الخيميائي - كابيلو
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نسمة طيف :: الاقسام الادبية :: القصص و الروايات-
انتقل الى: